
صحيفة التنوير
أيها العالم…
ليست كل الجرائم تُرتكب بالقنابل والرصاص، فبعضها يُرتكب بالصمت، وبالتأخير، وباللامبالاة. واليوم، بينما تنشغل العواصم بأزماتها، يقف السودان أمام أكبر مأساة إنسانية في العالم، لكنّها في الوقت نفسه أكثر المآسي التي تُقابل بالصمت والنسيان.
في معسكر كرياندنقو بشمال أوغندا، يعيش عشرات الآلاف من اللاجئين السودانيين على حافة البقاء. لم يعودوا يحلمون بالعودة إلى منازلهم، ولا ينتظرون حياةً كريمة، بل يناضلون من أجل حقهم الأول: ألا يموتوا جوعاً.
هناك، لا يقتل الرصاص وحده… بل يقتل الجوع ببطء، ويقتل المرض بصمت، ويقتل اليأس ما تبقى من قدرة الإنسان على المقاومة. أطفال تتآكل أجسادهم بسبب سوء التغذية، وأمهات يشاهدن أبناءهن يذبلون يوماً بعد يوم دون دواء أو غذاء، وشيوخ أنهكتهم سنوات اللجوء، بينما خيام تجاوزت عمرها الافتراضي بسنوات تحولت إلى مأوى لا يحمي من شمس ولا مطر ولا برد، وكأنها شاهد صامت على خذلان الإنسانية.
نحن نُقدّر لأوغندا أنها فتحت أبوابها واستقبلت الفارين من أهوال الحرب، لكن استضافة اللاجئين ليست مسؤولية دولة واحدة. إنها مسؤولية المجتمع الدولي بأسره، ومسؤولية كل مؤسسة ترفع شعار حماية الإنسان، وكل دولة تؤمن بأن الكرامة الإنسانية ليست امتيازاً تمنحه السياسة، بل حقاً أصيلاً لكل إنسان.
إن أخطر ما يصنعه الجوع أنه لا يقتل الجسد وحده، بل يسلب الإنسان حريته في الاختيار. وعندما يصبح البقاء هو الهم الوحيد، تتحول القرارات المستحيلة إلى خيارات مفروضة، ويغدو اليأس أقوى من الأمل، ويصبح الإنسان مستعداً للمخاطرة بكل شيء لأنه لم يعد يملك شيئاً يخسره.
أيها العالم…
إن التاريخ لا يحاكم فقط من أشعل الحروب، بل يحاكم أيضاً من امتلك القدرة على إنقاذ الأرواح ثم اختار أن يدير وجهه بعيداً. وسيأتي يوم تُسأل فيه الإنسانية: أين كانت عندما كان أطفال السودان ينامون جوعى؟ أين كانت عندما كانت الأمهات يقتسمن آخر لقمة مع أطفالهن؟ وأين كانت عندما صار الجوع يفتك باللاجئين أمام أعين العالم؟
إننا لا نطلب شفقة، ولا نستجدي إحساناً، بل نطالب بالوفاء بالالتزامات الإنسانية والقانونية والأخلاقية. نطالب بتحرك عاجل يوفر الغذاء والدواء والمأوى والحماية، ويعيد للاجئين حقهم في الحياة بكرامة، ويضمن أن تكون أي عودة إلى السودان آمنة وطوعية وكريمة.
أيها العالم…
لا تسمحوا بأن تتحول أكبر كارثة إنسانية في عصرنا إلى أكبر وصمة أخلاقية في ضمير الإنسانية.
تحركوا الآن… قبل أن يبتلع الجوع مزيداً من الأطفال.
تحركوا الآن… قبل أن يتحول اليأس إلى قدرٍ لجيلٍ كامل.
تحركوا الآن… لأن الأرواح لا تنتظر البيانات، والجائع لا يعيش على الوعود، والضمير الذي يتأخر كثيراً قد يستيقظ بعد أن يكون الأوان قد فات.
أما الصمت…
فلم يعد حياداً.
الصمت، حين يرى الإنسان أخاه الإنسان يموت جوعاً ولا يتحرك لإنقاذه، يصبح شريكاً في المأساة، وتسقط معه آخر ادعاءات الحضارة والإنسانية




