رأي

فك الرسن : معادلات القوة والتداعي التاريخي لبنية النظام القديم

عابدة مختار

 

 عابدة مختار

منذ اندلاع شرارة المواجهات العسكرية في الخامس عشر من أبريل، ظلت الكفة الميدانية تتجه رجحاناً وبشكل ملموس لصالح قوات الدعم السريع، في مواجهة قيادة جيشٍ مسلوبة الإرادة والقرار من قبل عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية. تلك القوى التي استغلت المؤسسة العسكرية لعقود طويلة لتحقيق مآربها الشخصية وتثبيت سلطتها الاستبدادية، فمارست نهب ثروات بلدٍ منكوب عانى ويلات الفساد والتهميش على مدى ثلاثة عقود متتالية.

وفي معارك مشهودة ومواجهات حاسمة داخل العاصمة الخرطوم، اختلت موازين القوة وتجلت الهشاشة البنيوية والتكوين البروزي لجيشٍ طالما أدّعى بهتاناً وزيفاً أنه حامي حمى الوطن؛ فذاق ألوان الهوان، وطُردت قواته وهربت مولية الدبر، تاركةً خلفها عتادها الحربي وآلياتها الميدانية وغرف عملياتها. ولم يقف المشهد عند هذا الحد، بل تجسد في قيادة الجيش التي ظلت تحت الأرض داخل البدروم، إلى أن أُتيحت لها فرصة الخروج لتهرب هي الأخرى إلى أقصى الشرق، وتستقر في مدينة بورتسودان، تلك المدينة الساحلية الوديعة التي تلوثت بغذارة ذلك الجيش المؤدلج حد الثمالة.

ظلت قوات الدعم السريع تحقق الانتصارات المتتالية منذ اليوم الأول للمعركة، عبر تقدمات ميدانية واثقة ومرتبة وصلت حتى أقصى ولاية الجزيرة بمدنها وقراها، ولم تتوقف إلا عند حدود الفاو ومشارف الدمازين. وعند تلك النقاط، أعادت القوات ترتيباتها وتكتيكاتها الميدانية من جديد، فانسحبت من بعض المناطق رغبةً في التموضع الاستراتيجي وإعادة الكرة لمباغتة الخصم في الأوقات والحشود المناسبة.

وفي ذلك التوقيت تحديداً، كثف العدو اتصالاته وجولاته الدبلوماسية هنا وهناك، محاولاً حفظ ما تبقى من ماء وجهه المسكوب في قرى وبيادر السودان جراء فضيحة هزائمه التي لا يُحسد عليها. كانت تلك التحركات تهدف إلى المناورة ولفت الانتباه تمهيداً للغدر؛ وهو ما ظهر جلياً في المعارك الأخيرة التي أنصتت فيها قوات الدعم السريع لتراقب ما يدور في أروقة المجتمع الدولي، حيث استغل من يدعون زيفاً رغبتهم في السلام—وهو سلام يأتمر بأمر مافيا عالمية تبيع وتشتري في ثروات البلاد—أقل الفرص ليناوروا ويقولوا “نحن موجودون”، مستعينين بأبواق الكتائب والمليشيات والأجهزة المأجورة لترجيح كفتهم المائلة والمثقلة بالهزائم.

غير أن المشهد تغير تماماً بعد خطاب القائد العام لقوات التاسيس الأخير؛ ذلك الخطاب الذي فك فيه الرسن، وأطلق اللجام، وكسر السلاسل والقيود أمام قواته، مأذوناً لها بالانكساح الشامل الكامل. وهنا أصبحت الكلمة الفصل والقول العدل لقواتٍ تدربت تدريباتٍ عالية، وتمايزت واحتكّت باحترافية ساحقة ومدمرة في حرب المدن والقتال في أكثر المناطق تعقيداً وصعوبة دون غيرها من القوات.

ومع صدور التوجيهات، بدأت جحافل الجيوش والتجمعات غير المسبوقة في المناورة الميدانية؛ إذ دخل آلاف الاشاوس معترك المعركة لأول مرة، ووصلت تعزيزاتهم الضخمة بكامل جاهزيتها للرد الفوري الموجع والقاهر لمن تطاول عليها، تنفيذاً لأوامر قيادتها المرعبة. إنهم يدخلون اليوم ليعيدوا ترتيب المشهد، ويكتسحوا العدو بعون الله، ويُروه دروساً وقواعد جديدة في فنون اللعب والتصدّي للغدر، وكيف يردون الصاع صاعين ويلقنون الفلول درساً لن ينسوه، كاتبين بدمائهم أسطع تاريخ تشهده البشرية.

إنهم يذكرون بمعارك البدايات الأولى في المدرعات، والشجرة، والمدينة الرياضية، قائلين لبرهان وأعوانه بأنكم لن تهزموا أحفاد السحيني، والمكوك، وسهل، ونوك، وود تورشين، ودبكة؛ أولئك الأشبال القادمين من رحم تلك الأسود التي صاغت تاريخ السودان المسروق والمنهوب من أجدادكم، وهم هنا اليوم ليعيدوا صياغة التاريخ وتصحيح المجلدات التي تفنّن النظام البائد في تزويرها لصالح فئاته ومؤسساته.

سيكتب هؤلاء الأشاوس بدمائهم تاريخ السودان الجديد الذي بدأ بثورة الخامس عشر من أبريل، والتي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو، قائد ثورة الهامش والكرامة التي لن تُهزم أبدأ مهما حشدتم لها من جحافلكم المهزومة بشهادة الوقائع والتاريخ. إن هذا الجيش الذي صنعه المستعمر ليكون وبالاً وسيفاً مسلطاً على شعوب السودان، والذي تم اختراقه من قبل ما تسمى بالحركة الإسلامية سارقة الكرامة وناهبة سيادة الوطن، والمتدثرة نفاقاً بثوب الصلاح لسرقة الإنسان ونهب موارده، قد حانت لحظة تفكيك بنكبته الهيكلية.

والثورة مستمرة بكل عزم وإرادة حتى القضاء التام على آخر فلولي مندس في مجتمعاتنا ومؤسساتنا بإذن الله.

ولي عودة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!