
سهيبه مريش
يطل عيد الفطر المبارك على الأمة الإسلامية كفترة فرح واحتفال بختام شهر الصيام والتقوى، لكن هذا العيد يحمل في طياته طعماً مختلفاً وألماً متجدداً لأهل السودان. لقد مررت اربعه أعياد فطر متتالية على البلاد في ظل حرب أهلية مدمرة طحنت الأخضر واليابس، تاركة خلفها دماء غزيرة وجراحاً عميقة يصعب بلسمتها. السؤال الأبدي الذي يتردد في حناجر الملايين هو: بأي حال عدت يا عيد والسودان ينزف والجراح تتفاقم؟ هذا السؤال لا يعكس فقط عمق المأساة الإنسانية والوطنية، بل يجسد أيضاً صمود الشعب الصابر المرابط الذي يرفض الاستسلام لليأس رغم حجم الخسائر.
لقد اعتاد السودانيون على استقبال العيد بفرحة ممزوجة بالتكافل الاجتماعي وزيارة الأقارب والأحبة، لكن الأعوام الاربعه الماضية حولت ساحات الاحتفال إلى ساحات للنزوح والحداد. النزيف مستمر، والأرقام تشير إلى مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح، وملايين النازحين واللاجئين الذين شردوا من ديارهم. هذه الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل هي تدمير ممنهج للبنية التحتية، وانهيار للنسيج الاجتماعي، وتراجع صادم في مؤشرات التنمية البشرية. كل زاوية من زوايا الوطن تحمل قصة فقد، وكل أسرة فقدت فرداً أو أكثر. وفي ظل هذا المشهد القاتم، يظل الأمل معقوداً على بركات هذا العيد، عسى أن تحمل معها بشائر الأمن والاستقرار.
على الرغم من وطأة الكارثة، يبرز الشعب السوداني بمرونة لافتة وتفاؤل متجذر. هذا التفاؤل ليس وهماً أو هروباً من الواقع، بل هو نتاج إيمان عميق بحتمية التغيير ووعي تاريخي بأن الأزمات الكبرى غالباً ما تسبق التحولات الجذرية. فبعد هذا الفقد الهائل والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب، أصبح المطلب الأساسي والجامع هو تحقيق التحول الديمقراطي المنشود، وإقامة الدولة المدنية الحديثة. لم يعد السودانيون يقبلون بالعودة إلى مربع ما قبل الحرب أو الاستمرار في دوامة حكم القوى التي أدت إلى هذا الدمار.
الدولة المدنية التي يطمح إليها السودانيون ليست مجرد شعار، بل هي رؤية واضحة لدولة تقوم على أسس راسخة من المواطنة المتساوية، والعدالة الناجزة، والديمقراطية التشاركية. المواطنة تعني أن الحقوق والواجبات لا تتحدد بالانتماء القبلي أو الجهوي أو العسكري، بل بالانتماء الوطني الخالص. والعدالة، التي تعد مطلباً أساسياً بعد سنوات من الإفلات من العقاب والتهميش، يجب أن تطال كل من تورط في إشعال هذه الحرب أو الاستفادة منها.جيس النخب الارهابين المتأسلمين أما الديمقراطية، فهي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار هذه المآسي، حيث يتم تداول السلطة سلمياً ويحكم القانون الجميع.
إن التحول الديمقراطي في السياق السوداني يعني بالضرورة تفكيك هياكل الحكم المركزي المعقدة التي أفرزت الصراع وتغذت الانقسامات، والبدء في بناء مؤسسات دولة قادرة على إدارة التنوع الهائل الذي يتمتع به السودان. هذا التحول يتطلب حواراً وطنياً شاملاً يعكس إرادة الشعب المتمثل في ملايين الشباب الذين قادوا ثورة ١٥ابريل المجيدة والذين يواصلون الصمود في وجه القمع والتجويع. إن وعي الشارع، رغم محاولات التعتيم الإعلامي، أكبر من أي محاولة لتقويض إرادة التغيير.
في زوايا النزوح، وفي الخنادق التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، وفي المراكز الطبية المنهكة، يزداد الإصرار على أن هذه الدماء لن تذهب سدى. هناك إيمان بأن الخروج من هذا النفق المظلم لن يتم إلا عبر بناء نظام سياسي جديد يعالج جذور الأزمة. بركات هذا العيد، إذا ما استثمرت بشكل صحيح، يمكن أن تكون لحظة إجماع وطني على المضي قدماً نحو بناء سودان أكثر نماءً ورخاءً وأمناً للجميع. النماء الاقتصادي لن يتحقق إلا بوقف الحرب وإعادة الإعمار، والرخاء مرتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية، والأمن مرتبط بإقامة مؤسسات دولة تحظى بشرعية شعبية واسعة.
إن التحدي الأكبر يكمن في كيفية الانتقال من مرحلة الصراع والدمار إلى مرحلة البناء الديمقراطي السلمي. هذا يتطلب تنسيقاً بين القوى المدنية، والتزاماً صارماً بوقف فوري لإطلاق النار، وإشراك كل مكونات المجتمع السوداني في عملية الانتقال، بمن فيهم المتضررون بشكل مباشر من الحرب. يجب أن تكون مؤسسات الحكم الانتقالي القادمة ممثلة بصدق للإرادة الشعبية، لا محاصصة للقوى التي أثبتت فشلها التاريخي.
في الختام، يأتي عيد الفطر هذا العام محملاً بآلام اربعه أعوام من الحرب والدمار، وهو سؤال حاد يواجه كل مواطن سوداني: إلى متى هذا النزيف؟ ومع ذلك، فإن الشعب السوداني، بصلابته الأسطورية وإيمانه العميق بقضيته، يظل أكثر أملاً وتفاؤلاً من أي وقت مضى. هذا الأمل ليس ترفاً، بل هو وقود الاستمرار والنضال نحو تحقيق دولة المواطنة والعدالة. لقد تعلم السودانيون درساً قاسياً ومكلفاً، وهو أن التنازل عن قيم الحرية والديمقراطية يؤدي حتماً إلى الهاوية. لذا، فإن العودة الحقيقية للوطن ستكون فقط عندما يحل عيد الوحدة والأمان، ويُبنى السودان الذي يستحقه أهله بتضحياتهم التي لا تُحصى.




