رأي

قرنق بعد 31 عاماً: هل انتصر السودان القديم حتى على الذين حملوا راية السودان الجديد

د. اخلاص قرنق

 

د. اخلاص قرنق

ثلاثة عقود ونيف مرت على رحيل الدكتور جون قرنق دي مبيور، لكن السودان الذي تركه وراءه لم يغادر أسئلته القديمة. تغيّرت الحكومات، تبدلت التحالفات، سقطت أنظمة، انفصل الجنوب، واندلعت حرب جديدة أكثر قسوة واتساعاً، لكن السؤال الذي حمله قرنق منذ أن رفع راية الحركة الشعبية لتحرير السودان ما زال قائماً: هل يستطيع السودانيون أن يبنوا دولة لجميع مواطنيها، أم أن السودان القديم سيظل يعيد إنتاج نفسه بأسماء ووجوه وشعارات جديدة؟

قرنق لم يكن يتحدث عن تغيير حكومة بحكومة، ولا عن استبدال نخبة بأخرى. كان يتحدث عن تغيير طبيعة الدولة نفسها.

وهنا تكمن أهمية العودة إلى مشروع السودان الجديد اليوم، لا باعتباره تراثاً سياسياً يخص الحركة الشعبية وحدها، ولا باعتباره صورة رومانسية من الماضي، وإنما باعتباره محاولة لفهم جذور الأزمة السودانية التي انفجرت في الحرب الحالية.

السودان القديم لم يكن شخصاً… كان نظاماً

حين تحدث قرنق عن السودان القديم، لم يكن يقصد الشماليين كجماعة بشرية، ولم يكن يقصد العرب كعرق، ولم يكن يضع الدين في مواجهة الدين.

كان يقصد منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت منذ الاستعمار واستمرت بعد الاستقلال: مركز يحتكر القرار، وأطراف تنتج ولا تقرر، وثروة تخرج من الأرض ولا تعود إلى أهلها، ودولة تستخدم الجيش والأمن والإدارة والاقتصاد لحماية مركزها بدلاً من حماية مواطنيها.

ولهذا فإن مأساة السودان لم تبدأ في أبريل 2023.

الحرب الحالية ليست سوى أحدث انفجار في جسم ظل ممتلئاً بالبارود لعقود.

دارفور لم تكن أول أزمة، والشرق لم يكن أول هامش، وجنوب السودان لم يكن أول إقليم يشعر بأن الدولة لا تراه إلا عندما تحتاج إلى موارده أو جنوده.

كان السودان كله يتحرك داخل معادلة مختلة: من يملك السلطة يملك الثروة، ومن يملك الثروة يستطيع شراء السلطة، ومن لا يملك الاثنين يصبح وقوداً للحرب.

وهذه هي النقطة التي تجعل مشروع السودان الجديد أكثر راهنية اليوم، وليس أقل.

السودان الجديد… الفكرة التي سبقت زمنها

كانت الفكرة الأساسية لقرنق بسيطة في جوهرها، لكنها ثورية في نتائجها: لا يمكن بناء سودان مستقر بإدارة التعدد بالقوة.

السودان بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات والأديان والمناطق، ولذلك فإن محاولة فرض هوية واحدة عليه لن تنتج الوحدة، بل ستنتج التمرد.

السودان الجديد كان محاولة للانتقال من دولة المواطنة المتدرجة إلى دولة المواطنة المتساوية؛ من مركز يقرر لكل الأطراف إلى دولة تشارك فيها الأطراف في صناعة القرار؛ ومن اقتصاد يستهلك موارد الأقاليم إلى اقتصاد يستثمرها في تنمية الإنسان والأرض.

كان السؤال عند قرنق أكبر من قضية الجنوب.

ولهذا ظل مشروعه يتحدث عن السودان كله.

لكن الجنوب نفسه لم ينجُ من السودان القديم

المفارقة الكبرى أن جنوب السودان، بعد أن أصبح دولة مستقلة في 2011، لم يستطع أن يتخلص بالكامل من البنية التي حاربها.

تحول النفط من فرصة لبناء اقتصاد جديد إلى مصدر للصراع السياسي.

وتحولت الحركة من حركة تحرير إلى دولة، وتحولت بعض القيادات من مقاتلين يحملون مشروعاً سياسياً إلى مسؤولين يديرون جهازاً بيروقراطياً مثقلاً بالفساد والمحسوبية.

وهنا يجب أن نكون شجعاناً في مواجهة الحقيقة:

الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة التحرر من عقلية الدولة القديمة.

يمكن أن يتغير العلم، ويمكن أن تتغير الحدود، ويمكن أن تتغير أسماء الوزارات، لكن إذا بقي الاقتصاد ريعياً، والسلطة مركزية، والقبيلة أقوى من المؤسسة، والثروة مرتبطة بالنفوذ السياسي، فإن الدولة الجديدة ستعيد إنتاج أمراض الدولة القديمة.

وهذا ما يجب أن نتعلمه قبل أن نتحدث عن السودان الجديد في السودان.

الحرب الحالية… حين انفجر مركز المركز

المفارقة التاريخية أن الحرب التي بدأت في الخرطوم لم تعد حرباً على هامش السودان.

هذه المرة انفجر المركز نفسه.

الجيش والدعم السريع، وهما نتاج طويل لتطور الدولة العسكرية والأمنية في السودان، دخلا في صراع مفتوح على السلطة والنفوذ والموارد.

لكن الضحية لم تكن المؤسسات العسكرية وحدها.

الضحية كان المجتمع.

المصانع دمرت، الأسواق تعطلت، البنوك اضطربت، المستشفيات خرجت من الخدمة، المدارس أغلقت، ملايين الناس نزحوا، وتحوّل الاقتصاد من اقتصاد هش إلى اقتصاد حرب.

ومرة أخرى يدفع المواطن ثمن صراع النخب المسلحة.

هذه هي المفارقة التي يجب ألا نغفل عنها:

السودان لم يدخل الحرب لأن شعبه يحب الحرب، بل لأن الدولة فشلت في بناء نظام سياسي يستطيع إدارة الاختلاف من دون تحويله إلى صراع مسلح.

الاقتصاد… الوجه الآخر للحرب

لا يمكن الحديث عن الحرب بعيداً عن الاقتصاد.

فالحرب ليست فقط معارك على المدن والثكنات.

إنها أيضاً معركة على الذهب، والنفط، والأراضي، والمعابر، والتجارة، والعملات، والتهريب، والموارد.

وحين تصبح الموارد الطبيعية مصدراً لتمويل الحرب، يتحول الاقتصاد من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة لإطالة عمر الحرب.

وهنا تعود إلينا إحدى أهم أفكار قرنق: الثروة لا تكفي.

السودان يمتلك أراضي زراعية هائلة، ومياهاً، وثروة حيوانية، وذهباً، وموارد نفطية، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً.

ومع ذلك يعيش الملايين في الفقر.

إذن المشكلة ليست في غياب الموارد.

المشكلة في من يملك الموارد، ومن يديرها، وكيف يتم توزيع عائداتها، ولمن تعود الدولة؟

السودان لا يحتاج إلى اكتشاف الذهب.

السودان يحتاج إلى اكتشاف الإنسان.

من دولة الريع إلى دولة الإنتاج

ربما كان أكثر ما نحتاج إلى استعادته من فكر قرنق اليوم هو فكرة الاقتصاد المنتج.

لا يمكن أن تبنى دولة مستقرة على تصدير المواد الخام واستيراد كل شيء.

لا يمكن أن يكون الذهب مصدراً لتمويل الموازنة والحرب في الوقت نفسه.

ولا يمكن أن تظل الزراعة التي يعيش عليها ملايين السودانيين رهينة للإهمال، بينما تستورد البلاد الغذاء من الخارج.

السودان الجديد اقتصادياً يجب أن يعني:

زراعة حديثة.

صناعة مرتبطة بالزراعة.

استثمار حقيقي في الري.

تعليم تقني ومهني.

بنية تحتية تربط مناطق الإنتاج بالأسواق.

نظام مصرفي يخدم الإنتاج لا المضاربة.

وإدارة شفافة للذهب والنفط والموارد الطبيعية.

بمعنى آخر: أن تتحول الثروة من ريع تتصارع عليه النخب إلى رأس مال يبني المجتمع.

 

أخطر ما فعلته الحرب أنها أعادت إنتاج القبلية

عندما تضعف الدولة، يبحث الإنسان عن الحماية الأقرب إليه.

فتعود القبيلة.

ويعود الجهوية.

ويصبح السلاح وسيلة لحماية الجماعة.

وتتحول الهوية من مساحة للتنوع إلى جدار في مواجهة الآخر.

وهنا ندرك مرة أخرى لماذا كان قرنق شديد التركيز على بناء هوية وطنية تتجاوز القبيلة.

لم يكن ذلك يعني إلغاء القبائل أو الثقافات المحلية.

بل كان يعني أن يكون السوداني أولاً مواطناً، قبل أن يكون من هذه القبيلة أو تلك المنطقة.

المشكلة أن السودان بعد عقود من الحروب لم ينجح في بناء هذه الهوية المشتركة.

ولهذا أصبح كل انهيار سياسي فرصة لإعادة إنتاج الانقسامات القديمة.

أين ذهب مشروع السودان الجديد؟

السؤال المؤلم ليس فقط: ماذا حدث للسودان؟

بل: ماذا حدث لأصحاب مشروع السودان الجديد أنفسهم؟

لقد دفع كثيرون ثمناً غالياً من أجل هذا المشروع.

لكن بعض الذين حملوا رايته تحولوا لاحقاً إلى جزء من لعبة السلطة.

وهنا يجب ألا تكون الذكرى مناسبة للمجاملة.

فالمشروعات السياسية تموت عندما تتحول إلى شعارات، وتموت أكثر عندما يتحول أصحابها إلى طبقة جديدة تستفيد من النظام الذي قالت إنها جاءت لتغييره.

السودان الجديد لا يمكن أن يكون مجرد اسم لحزب أو حركة.

ولا يمكن أن يكون شعاراً في خطاب سياسي.

السودان الجديد يجب أن يكون طريقة جديدة في ممارسة السلطة، وإدارة الاقتصاد، واحترام الإنسان، وتوزيع الموارد.

قرنق لم يكن معصوماً… لكن السؤال الذي طرحه ما زال حياً

ليس المطلوب أن نحول قرنق إلى أسطورة لا تُناقش.

كان إنساناً، وكان سياسياً، وكانت له أخطاؤه وتناقضاته، كما كانت للحركة الشعبية أخطاؤها.

لكن قيمة الأفكار الكبرى لا تقاس فقط بأخطاء أصحابها.

تقاس أيضاً بقدرتها على تفسير الواقع بعد رحيل أصحابها.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال سؤال السودان الجديد قادراً على تفسير جانب كبير من الأزمة:

كيف نبني دولة لا يشعر فيها مواطن في دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق أو الشرق أو الشمال أو الوسط أنه مواطن أقل من غيره؟

كيف نجعل السلطة خادمة للمجتمع لا مالكة له؟

كيف نجعل الجيش مؤسسة وطنية لا لاعباً سياسياً؟

كيف نجعل الموارد ملكاً للشعب لا مصدراً لتمويل النخب؟

كيف نجعل الخرطوم مدينة للسودانيين جميعاً، بدلاً من أن تكون مركزاً يقرر مصيرهم؟

السودان بعد الحرب… الفرصة الأخيرة

قد تبدو هذه الأسئلة مثالية في زمن الحرب.

لكن الحقيقة عكس ذلك.

الحرب هي اللحظة التي يصبح فيها التغيير ضرورة، لا ترفاً.

إذا انتهت الحرب وعاد السودان إلى نفس المعادلة القديمة، فسوف تكون النتيجة مجرد هدنة مؤقتة بين حربين.

أما إذا فهم السودانيون أن المشكلة ليست فقط في الجنرال الذي انتصر أو انهزم، ولا في الحكومة التي ستأتي بعد الحرب، وإنما في بنية الدولة نفسها، فربما تكون هذه الكارثة بداية تحول تاريخي.

نحتاج إلى دولة جديدة، لا حكومة جديدة فقط.

نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد.

نحتاج إلى جيش مهني واحد.

نحتاج إلى اقتصاد إنتاجي.

نحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية.

نحتاج إلى نظام اتحادي أو لا مركزي يمنح الأقاليم حقها في إدارة مواردها والمشاركة في القرار.

نحتاج إلى تعليم يعكس تعدد السودان بدلاً من أن يطمسه.

ونحتاج قبل كل ذلك إلى مواطنة لا تسأل الإنسان عن قبيلته أو دينه أو منطقته قبل أن تمنحه حقه في الدولة.

بعد 31 عاماً… ما الذي بقي من قرنق؟

ربما لم يبقَ من قرنق ما كان يتوقعه هو نفسه.

لكن بقي السؤال.

وبقيت الحاجة.

وبقيت الأزمة.

وبقي السودان يبحث عن نفسه.

بعد كل هذه الحروب، وبعد انفصال الجنوب، وبعد سقوط الأنظمة، وبعد الثورة، وبعد الحرب الحالية، ما زال السودان واقفاً أمام المرآة نفسها:

هل نريد دولة جديدة فعلاً، أم نريد فقط أن نرث الدولة القديمة ونغير أسماء أصحابها؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

فالسودان الجديد لن يولد من انتصار بندقية على بندقية.

ولن يولد من انتصار إقليم على إقليم.

ولن يولد من إقصاء مجموعة لحساب مجموعة أخرى.

سيولد عندما يتفق السودانيون على أن الدولة ليست غنيمة.

وأن السلطة ليست ملكاً للنخب.

وأن الجيش ليس بديلاً عن السياسة.

وأن الذهب ليس ملكاً لمن يستطيع حمل السلاح.

وأن الخرطوم ليست السودان.

وأن الجنوب ليس هامشاً.

وأن دارفور ليست هامشاً.

وأن الشرق ليس هامشاً.

وأن الشمال والوسط أيضاً لا ينبغي أن يكونا رهينة لمركز سياسي ضيق.

ذلك هو جوهر السودان الجديد.

وبعد 31 عاماً من رحيل قرنق، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: هل مات مشروع السودان الجديد؟

بل:

هل نحن مستعدون أخيراً لبنائه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!