رأي

مجزرة غُرّة الزاوية… حين توحّد دماء المدنيين ضمير الإدانة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

ليست كل المجازر مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الحروب، فبعضها يتحول إلى لحظة فاصلة تكشف حجم الانهيار الذي وصلت إليه قيم حماية الإنسان أثناء النزاعات المسلحة. وهذا ما جسدته مجزرة غُرّة الزاوية في ولاية شمال دارفور، التي أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل يتكرر طوال سنوات الحرب: إلى متى يبقى المدنيون الهدف الأسهل في ساحات الصراع؟

لقد شكّل استهداف المحكمة الأهلية، أثناء انعقاد جلسة للنظر في قضايا المواطنين، صدمة واسعة داخل السودان وخارجه، ليس فقط بسبب العدد الكبير من الضحايا، وإنما لأن الموقع المستهدف يمثل مؤسسة مدنية كانت تؤدي دوراً اجتماعياً وقضائياً بالغ الأهمية في ظل تعطل مؤسسات الدولة. وتحول المكان الذي كان يلجأ إليه الناس لفض النزاعات وتحقيق العدالة المجتمعية إلى مسرح للدماء والخراب، في مشهد يلخص قسوة الحرب وتعاظم آثارها على المدنيين.

ما أعقب المجزرة لم يكن حدثاً عادياً أيضاً. فقد صدرت موجة واسعة من الإدانات عن قوى مدنية وسياسية ومنظمات حقوقية وإدارات أهلية، في مشهد نادر عكس حجم الصدمة التي أحدثها الهجوم. وعلى اختلاف مواقف تلك الجهات وخلفياتها، فإنها التقت عند نقطة واحدة، وهي أن ما جرى يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وأن استهداف المدنيين والمرافق المدنية لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.

هذا الإجماع الواسع يكشف أن حماية المدنيين لم تعد قضية تخص طرفاً بعينه، بل أصبحت مطلباً عاماً يتجاوز الانقسامات السياسية، لأن استمرار استهداف السكان الأبرياء يهدد ما تبقى من النسيج الاجتماعي، ويقوض فرص الوصول إلى أي سلام مستقبلي.

إن استهداف المحاكم الأهلية يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري. فهذه المؤسسات نشأت لتعويض غياب القضاء الرسمي، وأسهمت في احتواء النزاعات المحلية والمحافظة على السلم الأهلي في مناطق واسعة تأثرت بالحرب. وعندما تصبح هذه المؤسسات هدفاً للهجمات، فإن الرسالة الأخطر لا تتعلق بالمبنى نفسه، وإنما بضرب أدوات العدالة المجتمعية وتقويض قدرة المجتمعات المحلية على إدارة شؤونها في أصعب الظروف.

كما أعادت المجزرة النقاش حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين. فالإدانات، على أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تتبعها خطوات عملية تضمن التحقيق المستقل، وكشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع تكرارها. فاستمرار الإفلات من العقاب يرسل رسالة خاطئة مفادها أن حياة المدنيين يمكن أن تظل رهينة للحرب دون مساءلة.

ولعل أخطر ما كشفت عنه مجزرة غُرّة الزاوية هو أن رقعة الخطر باتت تتسع لتشمل المؤسسات المدنية التي يفترض أن تحظى بالحماية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني. فحين تُستهدف أماكن القضاء والخدمة المجتمعية، فإن ذلك يعني أن الحرب تجاوزت حدود المواجهات العسكرية إلى فضاءات الحياة المدنية نفسها.

إن ما حدث في غُرّة الزاوية ليس مجرد فصل جديد في مأساة السودان، بل هو جرس إنذار جديد بأن استمرار الحرب يضاعف كلفة الدم، ويعمق الأزمة الإنسانية، ويجعل المدنيين يدفعون الثمن الأكبر. ولذلك فإن حماية المدنيين، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، ووقف استهداف الأعيان المدنية، لم تعد مطالب سياسية فحسب، بل أصبحت ضرورة إنسانية وأخلاقية لا تحتمل المزيد من التأجيل، لأن صمت العالم أمام تكرار مثل هذه المآسي لن يؤدي إلا إلى إنتاج مآسٍ جديدة أكثر قسوة، بينما يبقى المدنيون هم الخاسر الأكبر في حرب لا يملكون قرار إشعالها ولا قدرة إيقافها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!