
الموقع على ميثاق تحالف تأسيس
نُشر في جريدة “التنوير” مقال للأستاذ عبد الحفيظ الإمام بعنوان “تحالف تأسيس بين البندقية وحلم الدولة المدنية”، طرح فيه تساؤلات مشروعة حول طبيعة تحالف تأسيس، وتمثيله لمكونات المجتمع السوداني، وسُبل تحقيق الدولة المدنية. ولأن هذه الأسئلة تمس جوهر المرحلة الراهنة ومشروع بناء السودان الجديد، وجب التوضيح بما يحفظ روح الحوار الوطني الجاد، ويضع النقاط على الحروف بمرجعية الميثاق والوثيقة الدستورية لتحالف تأسيس.
أولاً، من المهم التأكيد أن ميثاق تأسيس لم يكن تعبيرًا عن نخبة سياسية أو تحالف فوقي، بل جاء نتيجة مسار تشاوري ممتد وشامل شاركت فيه قوى مدنية، ولجان مقاومة، وحركات كفاح مسلح، ومجموعات شبابية ونسوية، إلى جانب شخصيات وطنية مستقلة ومنظمات مجتمع مدني. وقد ركّز الميثاق على تصحيح مسار الثورة وتحقيق العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عبر إنهاء هيمنة المركز النخبوي وإعادة تشكيل الدولة من القاعدة إلى القمة، لا العكس.
الميثاق لم يكتفِ بالاعتراف بالتنوع، بل عمل على توسيع دائرة التمثيل لتشمل فئات طالما تم تهميشها وإقصاؤها في تجارب الحكم السابقة، وهو ما تجلّى بوضوح في صياغة الوثيقة الدستورية، التي أُقرت فيها مبادئ التأسيس الأفقي والتكوين القاعدي الديمقراطي، كأساس لا يقبل المساومة أو الالتفاف.
أما عن التفعيل الذي أشار إليه المقال، فهو ليس غائبًا أو مُهملًا، بل يخضع لظروف موضوعية واستثنائية، أهمها استمرار الحرب، واستهداف المكونات المؤيدة لتأسيس من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للمنظومة الإسلاموية في بورتسودان، والتي تمارس القتل والاعتقال والملاحقة بحق قيادات التحالف وأعضائه وحتى المتعاطفين معه. ولأن “درء الضرر مقدَّم على جلب المنفعة”، فإن الظهور العلني والتفعيل الميداني الكامل تأخر حفاظًا على الأرواح وضمانًا لاستمرارية المشروع.
رغم ذلك، فإن عملية التفعيل تمضي بوسائل متنوعة، منها بناء اللجان السبرانية التي تربط ما بين اللجان الثورية في الأقاليم الثمانية، تمهيدًا للإعلان عنها وتمكينها من اختيار ممثليها بحرية واستقلال. هذه العملية ليست شكلية، بل لبّ المشروع التأسيسي، الذي يؤمن بأن شرعية الحكم لا تُبنى بالتحالفات المغلقة، بل بتفويض جماهيري حقيقي ينبثق من الميدان.
تحالف تأسيس لا يُقاس بمن انضم إليه حتى الآن، بل بما فتحه من أفق جديد لقوى الثورة الحقيقية، وحرّك الساكن في واقع سياسي ظل لعقود أسيرًا للدوائر المغلقة والمفاهيم النخبوية. وقد أكّد الميثاق أن الباب مفتوح أمام كل من يلتزم بمبادئه وأهدافه، لا كاسم أو جسم يُضاف، بل كفاعلٍ يلتفّ حول مشروع بناء السودان الجديد على أسس الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية.
وفي الختام، فإننا نثمّن النقاش الوطني الناضج، ونقدّر كل قلم يسهم في إحياء قضايا التحول المدني، ولكننا نرفض اختزال تحالف تأسيس في معادلة بندقية مقابل حلم، فالحلم إن لم تحمه إرادة شعبية وتنظيم عقلاني ووعي بالعدو الحقيقي، فلن يُثمر دولة، ولن يصمد أمام رياح الثورة المضادة.
تأسيس ليس حلمًا، بل خريطة طريق نحو واقع جديد، أساسه الإنسان السوداني الحر الكريم.




