رأي

كامل إدريس ومنتحلو صفة الأمة القومي: محاولة فاشلة لاختطاف الإرث والتاريخ

عباس احمد السخي

في ظل منعطف تاريخي حرج يمرّ به السودان، حيث لا تزال نيران الحرب تنهش الجغرافيا والإنسان، برزت إلى السطح مظاهر عبث سياسي تتجاوز حدود المنطق، وتستهدف النيل من الرموز والكيانات الوطنية العريقة. ومن بين هذه المحاولات ما تم تداوله مؤخرًا بشأن لقاء جرى بين الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء الصوري المعيّن ضمن ترتيبات السلطة الانقلابية، وعدد من الشخصيات التي قدّمت نفسها ـ دون تفويض ـ كممثلين لحزب الأمة القومي، أحد أعرق الأحزاب السياسية في البلاد، وأكثرها ارتباطًا بتفاصيل الحركة الوطنية.

هذا اللقاء، الذي ضمّ أيضًا شخصيات محسوبة على النظام السابق، بينها أحد مساعدي الرئيس المخلوع عمر البشير، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي أو محاولة لتوسيع القاعدة السياسية للحكومة القائمة، بل شكل ـ في مضمونه وسياقه ـ تعبيرًا عن منطق سياسي مشوّه يسعى لتطبيع الوجود الانقلابي عبر اختراق قوى المعارضة، وتوظيف الانتهازيين في عملية تجميل سلطة فقدت شرعيتها.

إن الدكتور كامل إدريس، على الرغم من سيرته الأكاديمية والدبلوماسية التى انتهت بطرده المخزي من منظمة الملكية الفكرية، يعمل على تجميل نفسه اليوم في موقع ديكوري متهالك أكثر منه تنفيذي موقع بلا سلطة حقيقية، يقود حكومة لا يملك زمام قراراتها، حيث يتمحور نفوذها الفعلي حول قائد الانقلاب وتنظيمات متحالفة معه، يهيمنون على تعيين الوزراء، وتوزيع الحقائب، وصياغة التوجهات العامة. وقد اتضح ذلك بجلاء من خلال تعيينات وزارية شملت وزارات الدفاع والداخلية والتعليم، والتي شهدت عودة لافتة لرموز من تيار الإسلام السياسي، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان سيناريوهات تمكين الدولة العميقة.

وفي مقابل هذا المشهد، تظهر المفارقة المؤلمة: فبينما تمضي هذه الحكومة في تثبيت مواقعها عبر هندسة تحالفات مصطنعة، تغيب في برامجها أي إشارة جادة إلى ضرورة وقف الحرب، أو تقديم رؤية للسلام العادل. بل إن الخطاب الرسمي الصادر عنها يجنح نحو عموميات غير ملزمة، متجاهلاً حقيقة أن البلاد تعيش واحدة من أسوأ أزماتها الإنسانية والسياسية. وكأن الواقع الماثل ليس سوى خلفية صامتة لطموحات فردية غير متسقة مع الأولويات الوطنية.

أما من التقى كامل إدريس باسم حزب الأمة القومي، فهم أشخاص لا يمثلون القيادة الشرعية للحزب، ولا يعبرون عن توجهاته أو إرثه التاريخي. إنهم أفراد جرفتهم تحولات اللحظة، ووجدوا في تقلب المشهد السياسي فرصة للظهور عبر المنصات التي تمنحها السلطة لمن يرتضون التقاطع مع مشروعها. وهم، بهذا المعنى، لا يختلفون كثيرًا عن نماذج سابقة في التاريخ السياسي السوداني، استبدلوا الولاء التنظيمي بالمصلحة الشخصية، وارتضوا مواقع ثانوية مقابل أدوار هامشية في مشروعات لا تحظى بإجماع ولا بشرعية.

إن حزب الأمة القومي، بقيادته الشرعية والمؤسسات التي يمثلها، لا يزال حاضرًا بوضوح في المعادلة الوطنية، رغم التحديات الجسيمة التي تواجه البلاد. وهو حزب يمتلك تقاليد راسخة في إدارة الخلاف، ومواقف واضحة في مواجهة الانقلابات، ومساهمات كبيرة في صياغة التحول الديمقراطي. وقد ظلت قيادته، وعلى رأسها اللواء فضل الله برمة ناصر، تعبر عن هذا الموقف بثبات، مؤكدة رفضها لأي تماهٍ مع المشاريع الانقلابية أو التفاف على إرادة الشعب السوداني.

كما إن من يظنون أن بإمكانهم اختراق هذا الكيان التاريخي عبر اللقاءات الجانبية والمناورات السياسية، يخطئون التقدير. فحزب الأمة ليس كيانًا يُختزل في الأفراد، ولا تاريخه يُمحى بقرارات ظرفية، ولا موقفه يُباع في أسواق السياسة الرخيصة. إنه إرث متجذر في وجدان الشعب، وأحد أعمدة الحركة الوطنية التي قاومت الاستعمار، وناهضت الشموليات، ودفعت ثمناً باهظًا من أجل سودان ديمقراطي حر.

إن ما جرى في لقاء كامل إدريس هو مثال صارخ على مساعي الالتفاف على الحقيقة، ومحاولة توظيف الشرعية الرمزية لبعض الكيانات في دعم مشروع لا يملك الحد الأدنى من الرضا الشعبي أو التوافق الوطني. وهو لقاء لن يغير شيئًا من موازين المواقف داخل الحزب، ولن يمنح الحكومة القائمة أية مشروعية مفقودة. بل على العكس، فإنه يكشف حالة الارتباك التي تعيشها السلطة، وسعيها المحموم لإنتاج واجهات سياسية تفتقر للمصداقية.

في النهاية، فإن احترام إرادة الجماهير، والانصياع لصوت الواقع، هو الطريق الوحيد نحو مستقبل سياسي قابل للبناء. أما الاستمرار في نهج الاستقطاب المصطنع، ومحاولات اختطاف الكيانات السياسية الكبرى، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في المشهد العام، ومزيد من الانسداد في أفق الحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!