حرب الكيزان.. السودان يدفع ثمن الخراب والملايين عالقون بين النزوح والدمار

تقرير _ صحيفة التنوير
تكشف أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن أزمة النزوح في السودان لا تزال بعيدة عن الانحسار، رغم تسجيل تراجع نسبي في أعداد النازحين وارتفاع وتيرة العودة إلى عدد من المناطق. ويظهر المشهد السكاني تحركاً متزامناً في اتجاهين؛ ملايين يعودون إلى مناطقهم الأصلية، بينما تدفع جبهات القتال في مناطق أخرى آلاف الأسر إلى النزوح من جديد.
وبحسب التحديث الثامن لتقرير النزوح والعودة الصادر عن مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد النازحين داخلياً في السودان 8 ملايين و622 ألفاً و801 شخص، موزعين على 185 محلية في الولايات السودانية الـ18. وفي المقابل، سجلت المنظمة عودة 4 ملايين و928 ألفاً و923 شخصاً إلى مناطقهم الأصلية في 76 محلية.
تراجع محدود لا ينهي الأزمة :
تشير المقارنة مع التحديث السابق إلى انخفاض عدد النازحين داخلياً بنحو 62 ألفاً و472 شخصاً، من 8 ملايين و685 ألفاً و273 في نهاية يونيو إلى 8 ملايين و622 ألفاً و801 في التحديث الأخير، أي بنسبة تقل عن 1%.
وفي المقابل، ارتفع عدد العائدين بنحو 279 ألفاً و867 شخصاً، من 4 ملايين و649 ألفاً و56 شخصاً إلى قرابة 4.93 ملايين، بزيادة تقارب 6%.
وعند مقارنة الأرقام بنهاية مارس 2026، تبدو حركة العودة أكثر اتساعاً، إذ ارتفع عدد العائدين بنحو 935 ألف شخص، بينما انخفض عدد النازحين بنحو 313 ألفاً. إلا أن هذه المؤشرات لا يمكن قراءتها بمعزل عن طبيعة الحركة السكانية، إذ إن انتقال النازح إلى منطقته الأصلية يؤدي إلى خروجه من تصنيف النازحين وإدراجه ضمن العائدين، حتى في حال كانت المنطقة مدمرة أو تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن أرقام النزوح والعودة تقديرية وقابلة للتحديث، في ظل استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق وسرعة تحرك السكان. كما أن تصنيف الشخص عائداً لا يمثل حكماً نهائياً على مستوى الأمن أو صلاحية المنطقة للحياة، بل يعكس موقعه وقت جمع البيانات.
العودة لا تعني الاستقرار :
تبدو العودة في ظاهرها مؤشراً إيجابياً على تحسن الأوضاع في بعض المناطق، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء أسباب النزوح. فجزء كبير من العائدين يجد نفسه أمام مساكن متضررة أو مدمرة، وبنية تحتية منهارة، وخدمات صحية وتعليمية محدودة، إلى جانب نقص المياه والكهرباء وفرص العمل.
وأظهرت بيانات سابقة للمنظمة أن نحو 60% من الأسر العائدة وجدت منازلها متضررة بدرجات مختلفة، بما في ذلك مساكن تعرضت لانهيار الأسقف أو تضررت جدرانها ونوافذها.
وتتركز حركة العودة بصورة ملحوظة في ولايات شهدت تراجعاً نسبياً في حدة القتال واستعادة الجيش السيطرة على مدن رئيسية، ولا سيما الخرطوم والجزيرة وسنار. إلا أن هذه المناطق تواجه تحديات ضخمة في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وإعادة تشغيل المدارس والمستشفيات والأسواق والمرافق العامة.
كما تمثل مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، وتضرر الوثائق والسجلات المدنية، ونقص مواد البناء وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، عقبات إضافية أمام استقرار الأسر العائدة.
وفي حالات أخرى، لا تكون العودة نتيجة تحسن الظروف بالكامل، بل استجابة لظروف اقتصادية قاسية في مناطق النزوح، مثل نفاد المدخرات أو ارتفاع الإيجارات أو تراجع المساعدات الإنسانية. وهو ما يجعل بعض حالات العودة أقرب إلى خيار اضطراري بين البقاء في النزوح أو العودة إلى بيئة مدمرة.
النزوح الجديد يواصل تغيير الخريطة :
في الوقت الذي تشهد فيه الخرطوم والجزيرة وسنار عودة أعداد كبيرة من السكان، تواصل جبهات القتال في مناطق أخرى إنتاج موجات جديدة من النزوح.
وفي شمال كردفان، أدت المعارك الأخيرة في أم عردة والمناطق المحيطة بها إلى فرار أكثر من 4,200 شخص وفق تقديرات أممية، بالتزامن مع اضطرابات في تقديم المساعدات والخدمات الصحية في مناطق متضررة.
وفي إقليم النيل الأزرق، تسبب تجدد القتال في قيسان والكرمك والمناطق المجاورة في نزوح آلاف الأشخاص باتجاه الدمازين والروصيرص وود الماحي ومناطق أخرى، وسط أوضاع إنسانية صعبة ونقص في الغذاء والمأوى والرعاية الطبية.
أما دارفور، فما تزال حركة السكان مرتبطة بتطورات الوضع العسكري ومستويات الأمن وتدهور الخدمات وارتفاع أسعار المواد الأساسية، مع استمرار استقبال مناطق عدة لأعداد كبيرة من الفارين من مناطق القتال.
ويعكس ذلك واقعاً سكانياً شديد التعقيد، تتحرك فيه أعداد كبيرة من السودانيين في اتجاهات متعاكسة؛ عودة إلى مناطق تراجع فيها القتال، ونزوح جديد من مناطق تتصاعد فيها المواجهات.
أزمة تتجاوز أرقام النزوح :
بلغ عدد النازحين داخلياً ذروته في يناير 2025 عند نحو 11.58 مليون شخص، قبل أن يتراجع إلى المستوى الحالي. وبالمقارنة مع تلك الذروة، انخفض العدد بنحو 3 ملايين شخص، أي قرابة 26%.
ورغم هذا التراجع، يبقى عدد النازحين أكثر من ضعف المستوى الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، عندما كان السودان يضم نحو 3.8 ملايين نازح.
وتشير هذه الأرقام إلى أن اتساع حركة العودة لم يُعد السودان إلى أوضاع ما قبل الحرب، كما أن ملايين العائدين لا يزالون بحاجة إلى ظروف تمكنهم من البقاء في مناطقهم بصورة آمنة ومستدامة.
ولهذا، فإن قياس الأزمة بعدد النازحين وحده لا يكفي، بل يتطلب النظر أيضاً إلى حالة المساكن، وتوافر المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية، ووجود فرص العمل، ومستوى الأمن، وانتشار الألغام ومخلفات الحرب، وقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها من دون الاعتماد المستمر على المساعدات.
الأطفال في قلب الأزمة :
يعد الأطفال من أكثر الفئات تضرراً من استمرار النزوح والعودة غير المستقرة، إذ تشير الأنماط الديموغرافية التي رصدتها المنظمة إلى أن نحو 55% من النازحين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، فيما يمثل الأطفال نحو نصف العائدين.
ويواجه ملايين الأطفال صعوبات في الوصول إلى التعليم، سواء بسبب النزوح المستمر أو تدمير المدارس وتحول بعضها إلى مراكز إيواء. كما يواجهون مخاطر سوء التغذية والأوبئة والعنف والانفصال عن أسرهم والاستغلال، إضافة إلى الآثار النفسية الناجمة عن الحرب وفقدان الأقارب والنزوح المتكرر.
وتزداد هذه التحديات مع استمرار فجوة التمويل الإنساني، إذ لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية للسودان إلا على نحو 41% من التمويل المطلوب، ما يهدد بتقليص خدمات أساسية تشمل الغذاء والصحة والمياه والحماية.
عودة السكان لا تعني عودة السودان :
تظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن السودان يشهد تحولاً في خريطة النزوح أكثر مما يشهد نهاية للأزمة. فالتراجع في عدد النازحين وارتفاع أعداد العائدين يمثلان تغيراً في اتجاهات الحركة السكانية، لكنهما لا يعنيان بالضرورة تحسن الظروف المعيشية أو استعادة الاستقرار.
فالعودة المستدامة تتطلب أكثر من الوصول إلى منطقة المنشأ؛ فهي تحتاج إلى أمن دائم، ومساكن صالحة للسكن، ومياه وكهرباء ومدارس ومراكز صحية، إلى جانب فرص العمل وحماية حقوق الملكية وإزالة مخلفات الحرب وإعادة بناء المؤسسات والخدمات.
وبدون وقف شامل ومستدام للقتال، وضمان عودة طوعية وآمنة، وبرامج واسعة لإعادة الإعمار ودعم سبل العيش، قد تتحول العودة من نهاية لمسار النزوح إلى محطة مؤقتة في دورة جديدة من التنقل. وفي ظل استمرار القتال في مناطق عدة، يبقى ملايين السودانيين عالقين بين نزوح لا يحتمل وديار لم تستعد بعد مقومات الحياة.




