القبلية في السودان الجديد بين التمثيل السياسي وخطر المحاصصة في السلطه

القبلية في السودان الجديد بين التمثيل السياسي وخطر المحاصصة في السلطه
بقلم / هاشم طيار
يمثل التنوع القبلي والإثني والثقافي أحد أبرز ملامح المجتمع السوداني، وهو في حد ذاته ليس مشكلة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء إذا أُدير في إطار دولة المواطنة والقانون. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القبيلة أو الإثنية من مكوّن اجتماعي وثقافي إلى أداة للمنافسة على السلطة والثروة، أو يصبح الانتماء القبلي معياراً للوصول إلى الوظائف العامة بدلاً من الكفاءة والمواطنة. لقد كشفت التجربة السودانية أن اختلال توزيع السلطة والثروة وتهميش بعض الأقاليم والمجموعات ساعد على تحويل قضايا الهوية إلى قضايا سياسية وأمنية. ولذلك فإن معالجة الأزمة لا تكون بإنكار التنوع أو تجاهل المظالم التاريخية، كما لا تكون بتحويل الدولة إلى نظام دائم للمحاصصة القبلية والإثنية.
الاعتراف بالتنوع لا يعني المحاصصة السودان مجتمع متعدد الثقافات والإثنيات واللغات، والدولة مطالبة بالاعتراف بهذا التنوع وحماية حقوق جميع مكوناته. لكن الاعتراف بالتنوع يختلف عن جعل الانتماء القبلي أو الإثني شرطاً للحصول على منصب في الدولة. فالدولة الحديثة لا ينبغي أن تقوم على قاعدة: هذه الوزارة لقبيلة، وتلك المؤسسة لإثنية، وهذا المنصب لإقليم. مثل هذا النظام قد يبدأ بهدف تحقيق العدالة، لكنه قد يتحول إلى مؤسسات تتنافس فيها الجماعات على الحصص، ويصبح الولاء للقبيلة أو الإثنية أقوى من الولاء للدولة. ومن هنا، فإن الطريق الطبيعي للوصول إلى السلطة هو الأحزاب السياسية والمؤسسات الديمقراطية والانتخابات، وليس المحاصصة القبلية. وعلى القبائل والمكونات الاجتماعية أن تنخرط في الحياة السياسية من خلال أحزاب وبرامج وطنية تسعى إلى بناء دولة ديمقراطية، علمانية، فدرالية وحديثة.
معالجة التهميش لا تعني تكريس المحاصصة من الخطأ النظر إلى مطالب المحاصصة باعتبارها مجرد رغبة في اقتسام المناصب؛ فهي في كثير من الحالات تعبير عن تاريخ طويل من التهميش وعدم المساواة في الوصول إلى السلطة والثروة والتنمية. لذلك فإن تحقيق تمثيل عادل للأقاليم والمناطق التي عانت من التهميش يمثل مطلباً مشروعاً، خصوصاً في المرحلة الانتقالية. لكن الحل المستدام لا يكمن في تثبيت المحاصصة القبلية كقاعدة للحكم، وإنما في بناء نظام سياسي يضمن لكل مواطن، بصرف النظر عن قبيلته أو إثنيته أو منطقته، حق الوصول إلى السلطة وفق معايير عادلة.
فالمحاصصة الدائمة قد تؤدي إلى ترسيخ الهوية القبلية، وإضعاف معيار الكفاءة، وتحويل التنافس السياسي من صراع حول البرامج والسياسات إلى صراع حول «من يمثل أي قبيلة؟». وقد تنتج المحاصصة محاصصة أخرى داخلها، فتتحول المطالب من تمثيل إقليمي إلى تمثيل قبلي ثم إلى تمثيل عشائري، في مسار لا ينتهي.
السودان الجديد: معالجة المظالم لا إعادة إنتاج الانقسام في السودان الجديد يحتاج إلى معالجة جذور التهميش، وليس تكريس الانقسام بين المحاصصة والتهميش. وهذا يتطلب إعادة توزيع حقيقية للسلطة والثروة، وتعزيز الحكم الإقليمي والمحلي، وضمان مشاركة الأقاليم في إدارة الدولة، وتوجيه الموارد إلى المناطق التي عانت تاريخياً من ضعف التنمية. ويمكن للفدرالية واللامركزية الديمقراطية أن تكونا جزءاً أساسياً من الحل، إذا منحت الأقاليم سلطات حقيقية وموارد كافية، مع الحفاظ على وحدة الدولة والمواطنة المتساوية.
الفصل بين الدور الاجتماعي للقبيلة ووظيفة الدولة لا يمكن مطالبة السودانيين بالتخلي عن انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية. فالقبيلة ستظل جزءاً من النسيج الاجتماعي السوداني، كما يمكن للإدارات الأهلية أن تؤدي دوراً مهماً في المصالحات المحلية وحل النزاعات وتعزيز السلم الاجتماعي. لكن يجب الفصل بوضوح بين الدور الاجتماعي للقبيلة ووظيفة الدولة السياسية. فالقبيلة يمكن أن تساهم في المصالحات وحل النزاعات، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المؤسسات القضائية أو التنفيذية أو التشريعية، ولا أن تصبح قياداتها بوابة إلزامية للحصول على الحقوق السياسية أو الوظائف العامة.
الضمانات الدستورية المواطنة كشعار وحدها لا تكفي. المطلوب مؤسسات ودستور يضمنان عملياً عدم عودة التهميش، ويؤسسان لدولة تكون فيها الولاءات للدستور والقانون والمؤسسات، لا للجماعة أو القبيلة أو الحزب. إن أزمة السودان ليست أزمة قبائل وإثنيات في حد ذاتها، وإنما هي أزمة دولة ومؤسسات وعدالة وتوزيع للسلطة والثروة. والتنوع السوداني يمكن أن يكون أساساً لدولة قوية ومتعددة، لكنه يتحول إلى مصدر للصراع عندما تستخدمه النخب السياسية والعسكرية للوصول إلى السلطة أو عندما يشعر أي مكوّن بأن الدولة ملك لمجموعة دون غيرها.
لذلك، فإن المطلوب هو دولة مواطنة ديمقراطية فدرالية ولا مركزية، تعترف بالتنوع وتحميه، وتضمن عدالة توزيع السلطة والثروة، وتمثيل الأقاليم، وتختار المسؤولين على أساس الكفاءة والنزاهة، مع اتخاذ تدابير انتقالية لمعالجة آثار التهميش والحرب. فالهدف النهائي يجب أن يكون أن يصل المواطن السوداني إلى موقع المسؤولية لأنه سوداني وكفء ونزيه، لا لأنه ينتمي إلى قبيلة أو إثنية بعينها. وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تجمع بين العدالة والوحدة الوطنية: الاعتراف بالتنوع دون تحويله إلى محاصصة، ومعالجة التهميش دون إعادة إنتاج القبلية، وبناء دولة تتسع للجميع دون أن تكون ملكاً لأحد.
14 أغسطس 2026




