حاتم الياس يكتب: الحارث إدريس ككوميديا

الحارث إدريس ككوميديا
بقلم: حاتم الياس
لم أتعامل أبداً مع مشهد مندوب السودان في الأمم المتحدة بذلك الثقل الذي يداهم الانطباع السياسي، فيخلق نوعاً من الغضب أو حتى الحيرة لكلمته في مجلس الأمن، التي أثارت ردود أفعال واسعة، ووجد عدد من السياسيين والكتاب ضالتهم فيها، كـ«حمام ميت» بلغة مشجعي كرة القدم في وصف الفرق الضعيفة فنياً، ولا ترقى لمستوى التنافس، حين يهزمها أحد فريقي القمة في مباريات الدوري المحلي أو القاري، فيقول مشجعو الفريق، من باب تبخيس النصر: «إن فرحتكم بالفوز غير مستحقة، إذ إن الفريق الذي تغلبتم عليه حمام ميت».
وحاشا أن أصف مندوباً مقاتلاً وشرساً في معركة الكرامة بأنه حمام ميت؛ فهو ليس أقل من السوخوي، وكان يستحق لقب «البريقدار»، أو حتى «متحرك الأمم»، من واقع وجوده في الصفوف الأممية الأمامية، مدافعاً عن كرامة الدولة ضد غزو المليشيات.
قلت إنني لم آخذ حديثه في اجتماع الإحاطة على محمل الجد، وكان الرجل نسخة مكررة، مع فارق الإمكانيات والتجربة، من محمد أمين الدوري، ممثل العراق في الأمم المتحدة في عهد صدام حسين. فقد كان يقاتل في جلسات مجلس الأمن بكل قوة، ويدافع عن نظام صدام حسين، حتى إذا ما جاءت لحظة الانهيار والتصدع، خرج للصحفيين قائلاً: The game is over.
ومثله مندوب بشار الأسد، قصي الضحاك، الذي سُئل عن مصيره كممثل لنظام بشار، فقال إنه يمثل الدولة السورية والشعب السوري، ولا يمثل النظام. «شوف ليك جنس استهبال».
أما مندوب القذافي، فلم ينتظر النهايات، وانشق مبكراً، مطالباً العالم من نفس كرسيه بالتدخل لإنقاذ الشعب الليبي.
لا أدري ماذا سيقول إدريس بعد أن يُسدل التاريخ الستار قريباً على هذا المشهد السوداني.
وأظنني سألت الذكاء الاصطناعي، وأنا أبحث عن أسماء مندوبي دول في الأمم المتحدة لحكومات باطشة ودكتاتورية ظلوا إلى آخر لحظة مستعصمين بمنطق الصراخ و«العوعاي»، إلى أن ذهبت الوقائع التاريخية والسياسية القاهرة بحكوماتهم. ومن باب الفضول، سألته أيضاً: هل توجد طائفة من المؤرخين المهتمين بتاريخ الأمم المتحدة؟
فأعطاني اسم إيفان لوارد Evan Luard، صاحب كتاب A History of the United Nations، وهو عمل تاريخي واسع صدر في مجلدين؛ الأول عن سنوات الهيمنة الغربية 1945–1955، والثاني عن عصر إنهاء الاستعمار 1955–1965. وهناك أيضاً أعمال أخرى مهمة في تاريخ المنظمة ودبلوماسيتها، مثل كتاب براين أوركهارت عن داغ همرشولد، وكتب ج. ر. بيريدج عن دبلوماسية الأمم المتحدة وحفظ السلام. نرجو أن يطلع عليها الحارس إدريس، حتى يفحص تقلبات العالم والأنظمة، ويضع السيناريو الخاص به، وليسميه: «أبقى رقيق».
في الفقرة أعلاه استعنت بالذكاء الاصطناعي في البحث عن مؤرخي الأمم المتحدة، حتى لا ينخدع القارئ العزيز ويصفني بالكاتب ذي ثقافة موسوعية أو «النحرير»، أو غيرها من عبارات سوق الكتابة الرائجة. وللأمانة، هذه الأيام نشهد تدفقاً غير مسبوق للكتابات المطبوخة «شاتجيبتيا»، ورأينا كتاباً وكاتبات يقتحمون المجال بمقالات ابتلعت حبوب التسمين، مثل تلك التي أسماها الذهن السوداني الساخر «فاجأتني»: تلتقي بإحداهن قبل شهر مثل عصاة الخرزان، ثم تجدها فجأة تحولت لسلالة الفريزيان.
كذلك، من ضمن الأقوال التي سمعناها عن الحارس إدريس أنه كان أحد المحالين لمجزرة الصالح العام، وأنه عاد بعد الثورة كرجل ثوري ناهض الإنقاذ.
في ظني، واحدة من أكثر الأمور كارثية هي استسهال قصة «الثوري» هذه، باعتبار أن كل من ناهض الإنقاذ لديه براءة الاختراع الثورية وحائز عليها. وكانت من أكبر ورطاتنا بعد هذه الحرب أننا أدخلنا الكثيرين في دين الثورة أفواجاً، لكن كانوا هم الأداة الأقسى من الكيزان في هدم الثورة؛ ذلك لأن الثورة ليست شعارات فقط، وإنما وعي مستمر يلازمه الحس بالتاريخ وتقلباته.
قبل يومين وجدت صحيفة «أفق جديد» تنعي الراحل جعفر خضر، رحمه الله، وتصفه بالثوري. ولا أعتقد بأنه ثوري بالوعي بمنطق الثورة، ولكنه حالة استثمرت في رأس المال الرمزي لفكرة المعارضة نفسها. وما إن انشق التاريخ في منطقة عورته البائنة، حتى سعى ثوريو الشعارات لستر التناقضات بالانحيازات والشعارات الكاذبة.
في واحدة من مقالات المفكر عبد الله علي إبراهيم، ذكر حادثة لأحد جنود جيش المهدية جاء قادماً من غرب أفريقيا لينضم إلى الثورة المهدية، وشهد معركة كرري. وكان مشهد مدفع المكسيم وهو يحصد جنود الخليفة أمامه مشهداً خليطاً من الموت والدم وصدمة الحداثة العنيفة، التي تبرز التفوق واستعلاء الآلة والتكنولوجيا أمام أسلحة الأنصار البدائية.
تمنى لو أنه كان ذلك الجندي خلف المكسيم، ممسكاً بكلتا قبضتي يديه عليه، وفوارغ الرصاص تتساقط يميناً ويساراً.
نجا من المعركة وعاد إلى بلاده في غرب أفريقيا. ويحدث أن ينضم هو نفسه، بعد سنوات، إلى جيوش الغزاة. وفي إحدى المعارك، كادت حركة مقاومة وطنية هناك أن تقضي على الكتيبة التي انضم إليها. وساعات المعركة تقترب من نهايتها، ويقال إنه وجد فرصة طالما تمناها، حين وجد نفسه قريباً من مدفع المكسيم، فصعد إليه بعد أن قتل الجندي الذي كان ممسكاً به، ليظفر بفرصته ويحصد حصداً المقاومة الوطنية التي تدافع عن أرضها ضد الغزاة.
أعتقد أن عبد الله علي إبراهيم سماها: انتصار في الجزء الخطأ من التاريخ.
كذلك كلمة «المتحرك الأممي»… الحارس إدريس هي في الجزء الخطأ من التاريخ.




