واشنطن تغيّر أدوات المعركة.. من ساحات القتال إلى ميادين التمويل

واشنطن تغيّر أدوات المعركة.. من ساحات القتال إلى ميادين التمويل
تحليل سياسي: فاطمة غزالي
لم تكن جلسة مجلس الأمن بشأن السودان، التي انعقدت أمس بمقر المجلس في مدينة نيويورك، مجرد جلسة جديدة للاستماع إلى بيانات وكلمات شجب وإدانة من الدول الأعضاء ودفوعات ممثل حكومة بورتسودان في الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، وإنما شكلت بداية لمعركة تشنها الإدارة الأمريكية على طرفي الحرب بهدف وضع حد للحرب التي تشهد تصعيدًا عسكريًا بين الجيش وقوات تحالف تأسيس في كردفان ودارفور وجنوب النيل الأزرق.
جاء مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق أوسطية، مسعد بولس، إلى قاعة مجلس الأمن حاملاً في يده اليمنى راية حماية المدنيين كحجة قوية لوقف الحرب، وفي يده اليسرى مشروعًا يقوم على أربعة محاور أساسية: توسيع حظر السلاح من دارفور إلى كل السودان، وتأكيد أن الطائرات المسيّرة وأنظمتها والتقنيات المرتبطة بها مشمولة بالحظر، وزيادة عدد الخبراء المكلفين بمراقبة نظام العقوبات، وتعزيز التعاون بين فرق الخبراء الإقليمية لكشف انتهاكات حظر السلاح وتجميد الأصول وحظر السفر.
وتأتي هذه المقترحات في ظل أرقام أممية تعكس حجم الكارثة الإنسانية المرتبطة باستخدام الأسلحة الحديثة، إذ قُتل نحو 1400 مدني خلال النصف الأول من العام الجاري، من بينهم أكثر من 1100 شخص في هجمات بالطائرات المسيّرة، وفق ما أُبلغ به مجلس الأمن. ويُذكر أن نظام حظر السلاح الحالي المرتبط بدارفور يستمر حتى 12 سبتمبر 2026 ما لم يتخذ المجلس قرارًا جديدًا بشأنه.
تتعامل واشنطن بقدر كبير من البراغماتية في سعيها لإنهاء الحرب، إذ لا تكتفي بالعقوبات الأمريكية المنفردة، بل تسعى إلى نقل الملف إلى إطار دولي أكثر إلزامًا عبر مجلس الأمن، بحيث يصبح نظام العقوبات أكثر اتساعًا وتأثيرًا. ووفقًا لما أعلنه مسعد بولس، فإن الهدف هو الحد من تأجيج الصراع، خاصة أن الدعم الخارجي يهدد بجر أطراف إقليمية ودول مجاورة إلى أتون الحرب السودانية. وما طرحته واشنطن رسميًا لا يتمثل في إنشاء منطقة حظر جوي تتولى قوة دولية فرضها على الطيران العسكري السوداني، وإنما في توسيع نظام العقوبات ليشمل كامل السودان وتشديد آليات مراقبة تدفق السلاح والمعدات العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة. ويبدو أن المشروع يتجاوز كونه مجرد عقوبات إلى محاولة وضع قواعد أممية جديدة تمنع استمرار الحرب القائمة على منطق الحسم العسكري.
ما طرحته واشنطن رسميًا ليس إنشاء منطقة حظر جوي تتولى قوة دولية فرضها على الطائرات العسكرية السودانية، وإنما توسيع نظام العقوبات ليشمل كامل السودان، وتشديد آليات مراقبة تدفق السلاح والمعدات العسكرية، بما فيها المسيّرات. ويبدو القرار يخدم استراتيجية أعمق من كونها مجرد مشروع عقوبات، بل وضع قواعد أممية تمنع استمرار الحرب التي تسيطر عليها عقلية تحقيق النصر عسكريًا، وبالتالي لن يكون هناك بديل لطرفي الحرب، وخاصة الجيش، إلا الذهاب إلى طاولة المفاوضات، أي إذا اعتمد مجلس الأمن حظرًا جويًا فعليًا، فسيكون له تأثير كبير جدًا على مسار الحرب، ويُعد قرارًا مهمًا للجيش وقوات الدعم السريع. فالعقوبة تبدو ظاهريًا متساوية في حظر السلاح على الطرفين، إلا أن الحقيقة هي أن التأثير العسكري يشكل ضربة قوية للجيش، بالرغم من أن مشروع واشنطن جاء مبرأً من الانحياز ويشمل طرفي الحرب، ولم يقل إنه حظر على الجيش وحده أو على الدعم السريع وحده، بيد أنه من الناحية السياسية والعسكرية، فإن تأثيره قد لا يكون متساويًا، الشيء الذي دفع أنصار الجيش لاتهام الإدارة الأمريكية بالانحياز إلى الدعم السريع، لأنهم يعلمون أن الجيش يمتلك سلاح الجو التقليدي، ويعتمد على الطائرات الحربية في عملياته العسكرية، بينما يعتمد الدعم السريع بصورة أكبر على القوات البرية والمسيّرات.
لذا برزت مخاوف حكومة بورتسودان، واعترض السفير الحارث على توسيع الحظر بدعوى أنه يمكن أن يؤدي عمليًا إلى مساواة الجيش السوداني بالدعم السريع، ويقيد قدرة حكومة الأمر الواقع على مواجهة قوات الدعم السريع. الحارث يعيش في حالة إنكار وتجاهل لرؤية القوى الدولية لطرفي الحرب، بينما ترى حكومة بورتسودان الجيش مؤسسة الدولة، تتعامل واشنطن ودول أخرى مع الحرب باعتبارها نزاعًا مسلحًا بين طرفين ينبغي الضغط عليهما معًا.
لأن مسألة الشرعية التي يستند عليها الحارث في دفوعاته أمام المجلس لا تمثل رقمًا قياسيًا بالنسبة للأسرة الدولية، لأن المكون العسكري قضى على الشرعية بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، مما أدى إلى تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي. ومع كل هذه الحقائق، كذب الحارث نهارًا جهارًا وقال إن حكومة الأمر الواقع اختيرت. وهذا تزوير للتاريخ وطمس للحقائق قبل أن يموت الفاعلون والشهود.
قطعًا، المقترح الأمريكي يشكل بالنسبة للبرهان تحديًا سياسيًا كبيرًا، مما جعله يتخذ من التهديدات الإعلامية للتعبير عن هذه التحديات، بتجديد الإصرار على الاستمرار في الحرب، لأنه الذي ظل يقدم نفسه للمجتمع الدولي باعتباره لمؤسسة الجيش التي عن الدولة في مواجهة الدعم السريع، بينما وجد نفسه أمام نظام دولي قد يفرض قيودًا حركة موارد التسليح التي تشجعه على خيار الحرب، ولذلك ربما ترتفع درجة حرارة المواجهة السياسية بين بورتسودان وواشنطن.
لا شك في أن استمرار الحرب ودخولها إلى العام الرابع وتداعياتها على الأوضاع الإنسانية للمدنيين من قتل وتشريد وغياب للخدمات الأساسية: الغذاء، الدواء، التعليم والكساء، وعرقلة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمساعي السلام، دفع واشنطن إلى طرح مشروع توسيع حظر السلاح، لأن استمرار الحرب لم يعد مرتبطًا فقط بقدرات الجيش والدعم السريع الذاتية، وإنما مرتبطًا بتدفقات السلاح والمال والدعم السياسي والعسكري القادمة من خارج الحدود.
يبدو واضحًا أن الإدارة الأمريكية غيرت استراتيجيتها لوقف الحرب في السودان من الضغط على طرفي الحرب للقبول بالهدنة ووقف الحرب سياسيًا، إلى محاولة تغيير البيئة التي تمنحهما القدرة على الاستمرار في الحرب عسكريًا. وقال بولس بوضوح إن الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي لطرفي الحرب يمثل أحد المحركات الأساسية لاستمرار الصراع، داعيًا مجلس الأمن إلى استخدام أدواته للحد من هذا الدعم ودفع الطرفين نحو التفاوض بدل الاستمرار في البحث عن انتصار عسكري يبدو بعيد المنال.
وها هي واشنطن تغيّر أدوات المعركة من ساحات القتال إلى ميادين التمويل، التي قد تصبح وسيلة للضغط على الطرفين، وتدفع البرهان إلى إعادة حساباته العسكرية والسياسية المبنية وهمًا على حسم قوات الدعم السريع وتحقيق النصر، مع أن لسان حال الواقع يقول: “إن حسم المعركة عسكريًا أمر صعب المنال، وإن لم يكن مستحيلًا”.
بالرغم من أن مشروع القرار الأمريكي يفتح بوابة الأمل في طريق السلام، إلا أنه سيواجه معركة الاعتراض من حلفاء الجيش، روسيا والصين، في ميدان السياسة الدولية التي تتحرك بقوة وفقًا للمصالح، وبالتالي ستقف عقبة كؤود قد تمنع القرار من أن يكون ملزمًا صادرًا عن مجلس الأمن. تأييد واشنطن وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى المرور من آلية التصويت داخل المجلس، وأي استخدام للفيتو من عضو دائم يمكن أن يعرقله.
وكان موقف روسيا والصين واضحًا في تحفظاتهما القوية على توسيع نظام العقوبات، وهذه مواقفهما التاريخية مع نظام الإسلاميين الذي استمر لأكثر من ثلاثين عامًا تحت حماية روسيا والصين من القرارات الأممية. وها هي، التي أصبحت أحد الممولين لهذه الحرب، أعلنت انحيازها للجيش، بمطالبة التمييز بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
الولايات المتحدة تتخذ من العقوبات التي فرضتها من قبل، وتسعى إلى إشراك حلفائها في المنظمة الأممية، فحلفاؤها من الأوروبيين، بريطانيا وفرنسا، أعلنتا دعمهما لتوسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، في مفاضلة لصالح السلام وحماية المدنيين على حساب استمرار الحرب.
إذا كُتب لواشنطن النجاح في تمرير حظر السلاح على كل السودان، وإدخال المسيّرات والتكنولوجيا العسكرية ضمنه، وتشديد الرقابة على شبكات التمويل والإمداد، فإنها تكون قد بدأت فعليًا في تغيير قواعد اللعبة. أما إذا قُيّد القرار بالفيتو الروسي أو الصيني، فهذا لا يعني فشل المشروع، بيد أنه يكشف للمجتمع الدولي أن هناك مواجهة دولية حقيقية حول مستقبل حرب 15 أبريل، وإلى أي مدى المجتمع الدولي راغب في خنق الحرب وصولًا إلى طاولة السلام؟ أم كم من الأرواح والبلاد سيبقى قبل أن يدرك الجميع أن السلام هو الطريق الوحيد للخروج من هذه الحرب.
لا للحرب نعم للسلام




