
صهيل الخيل
د. عبدالمجيد عبدالرحمن ابوماجدة
يبدو أنّ مدينة الابيض وهي عاصمة ولاية شمال كردفان تعيش هذه الايام على صفيح ساخن وتحت رحمة الطيران المسير والمدافع الثقيلة وازيز الاسلحة المرعبة .
إنّ مدينة الابيض “اب كفه فحل الديوم ” كما يحلو لاهله ان يسمونه “هكذا” تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً منذ اندلاع الحرب السودانية في الخامس عشر من أبريل 2023م .
مع تصاعد التحذيرات الدولية من هجوم وشيك لقوات الدعم السريع على المدينة وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت عسكرية ومحطات وقود تتبع لجيش “الحركة الاسلامية وكتائبها الارهابية وبما يسمى بالقوات المشتركة والكيكلاب وجهاز الامن والمخابرات والقوات الخاصة والاستخبارات العسكرية وفرقة الهجانة” التي اصبحت اليوم ” على مرمى حجر لاشاوس الدعم السريع وقوات تاسيس”
ستظل الازمة الانسانية للمواطنين العزل داخل مدينة الابيض الذين تفاقمت اوضاعهم الانسانية والأمنية بصورة تنذر بتحول المدينة إلى ساحة مواجهة جديدة ساخنة قد تكون لها “تداعيات” تتجاوز حدود الولاية إلى مجمل المشهد السوداني المعقد والمأزوووم .
إنّ “تدعيات” هذه الاوضاع وتفاقمها تزامنت مع التحذيرات الأممية والدولية مع تصاعد الضربات الجوية واستهداف المقرات العسكرية بينما تتحدث تقارير محلية وحقوقية عن حشود عسكرية وتحركات ميدانية متبادلة بين الطرفين الجيش والدعم السريع حول المدينة .
الامر الذي أثار مخاوف من انزلاق الأوضاع نحو معركة واسعة النطاق في واحدة من أهم المدن الاستراتيجية التي تقع في “قلب” السودان .
إنّ مدينة الابيض الإستراتيجية تعتبر من اكبر المدن في السودان من حيث تجارة المحاصيل الزراعية بشتى انواعها “الصمغ العربي والفول السوداني والكركدى وحب البطيخ والسمسم والدخن” كلها كانت طيلة السنين الماضية تٌصدر شرقاً عبر ميناء البحر الاحمر والى جارة “السوء” غير الشقيقة “مصر” .
اضف الي ذلك من اهم صادرات الثروة الحيوانية الابقار والابل والضآن “الحمري” المشهور عالمياًَ كلها كانت في السابق تُصدر شرقاً عبر ميناء البحر الاحمر والى الجارة “الحقودة والحسودة مصر”
يرى الكثير من المراقبين بان سقوط مدينة الابيض وهي احدى اضلع مثلث حمدي “العنصري” ستنتهي اسطورة دولة النخب الفاسدة دولة “الابارتيد” دولة 1956م القابضة على كل شيء والجاثمة في صدور الشعوب السودانية منذ اكثر من “70” سبعون عاما تحكم هذه الشعوب المكلومة بالحديد والنار وتارة اخرى “بالترهيب والترقيب”
ويشير المراقبين بانّ هذه الحكومة المتسلطة قسمت الشعوب السودانية على اساس عرقي واثني وجهوي ومناطقي حتى يسهل لها التحكم فيها وفي كل ولايات السودان ومفاصل شعوبها المختلفة .
“2”
عالمياًَ في تطور لافت وغير مسبوق فقد دعت الأمم المتحدة ودول اخرى قوات الدعم السريع إلى الامتناع عن شن أي عمليات عسكرية ضد المدنيين في مدينة الابيض وسط تقارير تشير إلى وصول تعزيزات عسكرية جديدة وتحركات متزايدة في محيط المدينة من جانب جيش الحركة الاسلامية والمشتركة من جهة وقوات الدعم السريع من الجهة الاخرى .
من جانبه فقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” من التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن أي هجوم بري محتمل على المدينة مؤكداً أنّ المدنيين سيكونون أول المتضررين من أي تصعيد جديد في مدينة الابيض
كما ذكر المتحدث باسم الأمم المتحدة “ستيفان دوجاريك” عن “غوتيريش” قلقه الزائد إزاء المعلومات الواردة بشأن الحشود العسكرية حول الأبيض داعياً جميع الأطراف إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وتجنب توسيع رقعة الاقتتال .
إنّ هذه التحذيرات الاممية تعكس حجم القلق الدولي من احتمال انتقال هذه المعارك إلى داخل مدينة الابيض والتي تضم اكثر من “3” مليون ثلاثة مليون نسمة من السكان والنازحين من ولايتي غرب وجنوب كردفان والمحليات الاخرى التابعة لولاية شمال كردفان .
إنّ مدينة الابيض تعد مركزاً حيوياً يربط غرب السودان بشرقه ووسطه وشماله .
هناك بعد التقارير والمعلومات تشير الى تعرض محطة الكهرباء التحويلية الرئيسية في الأبيض لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة.
ووفقاً لمصادر محلية فإنّ الضربة استهدفت المحطة مساء الخميس الماضي قبل أن تتجدد الهجمات صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل المدينة في إطار سلسلة من الهجمات المتواصلة بالطائرات المسيّرة شهدتها الأبيض خلال الأيام الماضية .
كما تشير المعلومات المتداولة إلى أنّ الهجمات لم تقتصر على المنشآت الكهربائية بل امتدت لتشمل محطات الوقود وشاحنات الإمداد وبعض المرافق العسكرية مما أدى إلى اضطراب واسع في الخدمات الأساسية داخل مدينة الابيض .
كما أفادت تقارير محلية بأن الضربات الأخيرة أسفرت عن سقوط عدداً كبيراً من الجيش والقوات المشتركة وهذه الاخيرة قد فكت الحياد قبل سقوط مدينة الفاشر وتقاتل الآن جنباً الى جنب مع جيش الحركة الاسلامية وكتائبها الارهابية .
“3”
إنّ الاهمية الإستراتيجية لمدينة الابيض او ما اطلق عليها احد اضلع مثل حمدي العنصري الذي يشمل ” ولاية النيل الابيض وولاية سنار وولاية الخرطوم وولاية نهر النيل والولاية الشمالية” تمثل هذه المدنية “قلب” السودان النابض وذلك نسبة لخيراتها وثرواتها فوق الارض و تحت الارض وفي “باطنها”
إنّ مدينة الابيض الإستراتيجية تعتبر “الشريان” الرئيسي المغذي لقلب السودان النابض وبقية اعضاء الجسم وبالتالي لا يمكن ان تكون مدينة بنفس هذا الوصف والموقع الإستراتيجي المتميز بان تُترك بخيراتها لحكومة الكيزان وجيش الحركة الاسلامية ويقومون بسرقة كل هذه الثروات او تباع من اصحابها باسعار زهيدة جداً وهم يصدرونها ويبيعونها بالعملة الحرة “الدولار” .
كل المؤشرت تشير بأنّ سقوط الابيض على ايد قوات الدعم السريع اصبح “قاب قوسين او أدنى” مسألة وقت فقط وبالتالي كل هذه الصراخات والمناحات المحلية والاقليمية والدولية ما هي إلا كندامة “الكُسعي” وهؤلاء يصرخون لو استطاعوا لاعادوا عقارب الساعة الي الوراء عشرات السنين الضوية ولكن هيهات لهم بذلك .
إنّ العرب في قديم الزمان ﺍﺳﺘﺨﺪموا ﺗﺸﺒﻴﻪ ” ﻧﺪﺍﻣﺔ ﺍﻟﻜﺴﻌﻲ” ﻟﻮﺻﻒ ﺃﺳﻮﺃ ﺣﺎﻝ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻪا ﺍلانسان ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻨﺪﻡ ﻭﺗﺄﺗﻲ ﺍﻟﻘﺼﺔ ﻟﺮﺟﻞ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﻋﻰ ﺇﺑﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺮ ﻓﺮﺃﻯ “ﺷﺠﻴﺮﺓ” ﻳﺼﻠﺢ ﺧﺸﺒﻬﺎ ﻟﻠﺴﻬﺎﻡ ﻓﺴﻘﺎﻫﺎ ﻣﻦ ﻗﺮﺑﺘﻪ ﻭﻇﻞ ﻳﺴﻘﻴﻬﺎ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻣﻤﺎ ﻳﺤﻤﻞ ﻣﻦ ﻣﺎﺀ ﺣﺘﻰ ﺍﺳﺘﻮﻯ ﻋﻮﺩﻫﺎ ﻭﺻﻨﻊ ﻣﻨﻬﺎ ﻗﻮﺳﺎُ ﻭﺧﻤﺴﺔ ﺃﺳﻬﻢ .
ﺛﻢ ﺃﺗﻰ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺽ ﺻﺨﺮﻳﺔ ﺗﻜﺜﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻈﺒﺎﺀ “ﻓﻜّﻤﻦ” ﺧﻠﻒ ﺻﺨﺮﺓ ﻭﺭﻣﻰ ﻇﺒﻴﺎً ﺑﺴﻬﻢ ﻓﻘﺪﺡ ﺍﻟﺴﻬﻢ ﻓﻲ ﺻﺨﺮﺓ ﻓﻈﻦ ﺍﻟﻜﺴﻌﻲ ﺃﻥّ ﺍﻟﺴﻬﻢ ﻗﺪ ﺧﺎﺏ “ﻭﻛﻤّﻦ” ﺣﺘﻰ ﺃﺗﻰ ﺳﺮﺏ ﺁﺧﺮ ﻭﺭﻣﻰ ﻇﺒﻴﺎً ﺁﺧﺮ ﻓﻘﺪﺡ ﺍﻟﺴﻬﻢ ﺷﺮﺭﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺨﺮ ﻭﺻﻨﻊ ﺍﻷﻣﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺴﻬﺎﻣﻪ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﻓﺎﺳﺘﺒﺪ ﺑﻪ ﺍﻟﻐﻀﺐ ﻓﻬﻮﻯ ﺑﻘﻮﺳﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﺨﺮﺓ ﻓﻜﺴﺮ ﺍﻟﻘﻮﺱ ﺗﻜﺴﻴﺮﺍُ .
ﻏﻴﺮ ﺃﻧﻪ ﺑﻌﺪﻣﺎ ﺧﺮﺝ ﻣﻦ “ﻣﻜﻤﻨﻪ” ﻭﺟﺪ خمسة ﻇﺒﺎﺀ ﻣﺼﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺽ ﻓﻌﻠﻢ ﺃﻥّ ﺃﺳﻬﻤﻪ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺨﺘﺮﻕ ﻛﻞ ﻇﺒﻲ ﺛﻢ ﺗﻘﺘﺪﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺨﺮ ﻓﻨﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﻛﺴﺮ ﻗﻮﺳﻪ ﻭﻗﺎﻝ ذلك شعراً :
ﻧﺪﻣﺖ ﻧﺪﺍﻣﺔ ﻟﻮ ﺃﻥ ﻧﻔﺴﻲ
ﺗﻄﺎﻭﻋﻨﻲ ﺇﺫﺍ ﻟﻘﺘﻠﺖ ﻧﻔﺴﻲ
ﺗﺒﻴﻦ ﻟﻲ ﺳﻔﺎﻩ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻣﻨﻲ
ﻟﻌﻤﺮ ﺃﺑﻴﻚ ﺣﻴﻦ ﻛﺴﺮﺕ ﻗﻮﺳﻲ
ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﺸﻬﺪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﻞ لاحقاً الشاعر ﺍﻟﻔﺮﺯﺩﻕ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﻟﺤﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺯﻭﺟﺘﻪ “ﺍﻟﻨﻮﺍﺭ” ﺑﻄﻠﺐ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﻓﻄﻠﻘﻬﺎ ﻭﻧﺪﻡ ﺛﻢ ﻛﺘﺐ :
ﻧﺪﻣﺖ ﻧﺪﺍﻣﺔ ﺍﻟﻜﺴﻌﻲ ﻟﻤﺎ
ﻏﺪﺕ ﻣﻨﻲ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻧﻮﺍﺭ
ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺟﻨﺘﻲ ﻓﺨﺮﺟﺖ ﻣﻨﻬﺎ
ﻛﺂﺩﻡ ﺣﻴﻦ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺍﻟﻀﺮﺍﺭ .
كاتب وباحث سوداني
Abdumajeednetaigazxc1133@gmail.com




