رأي

 منبر جدة: هل سقط في فخ التحالفات السياسية؟ قراءة في التحولات الجديدة للموقف السعودي من الأزمة السودانية

بقلم: د. دقاش حسب الله دقاش

25 أغسطس 2026م

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023م برز منبر جدة باعتباره أهم المسارات الإقليمية والدولية للتعامل مع الأزمة السودانية برعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وبمشاركة طرفي الحرب القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وقد اكتسب المنبر أهميته من كونه جمع الطرفين في مساحة واحدة في وقت كانت فيه المعارك تتسع وكانت الحاجة إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية في مقدمة الأولويات. وفي مايو 2023م وقع الطرفان إعلان الالتزام بحماية المدنيين وتضمن الإعلان جملة من الالتزامات الإنسانية والقانونية بينما ظل المسار التفاوضي لاحقا يواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى وقف مستدام للحرب.

 

لكن السودان اليوم ليس هو السودان الذي كان عليه في بداية الحرب والمنطقة نفسها ليست هي المنطقة ذاتها التي كانت قبل أكثر من ثلاث سنوات. فقد تغيرت موازين القوى العسكرية والسياسية وتعددت المبادرات الدولية والإقليمية واتسعت دائرة المصالح المتشابكة حول السودان والبحر الأحمر كما شهدت العلاقات السعودية السودانية نفسها تطورا مؤسسيا جديدا تمثل في إنشاء مجلس تنسيق سعودي سوداني في أغسطس 2026م لتعزيز التعاون الثنائي. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هل سقط منبر جدة في فخ التحالفات السياسية وهل ما زال المنبر يحتفظ بالصورة التي تأسس عليها باعتباره منصة للوساطة بين طرفي الصراع أم أن التحولات الإقليمية الجديدة بدأت تؤثر في موقعه وفي نظرة الأطراف السودانية إليه.

 

لم تكن أهمية جدة في المكان وحده وإنما في فكرة الوساطة ذاتها. فالوسيط لا يكتسب قوته من امتلاكه النفوذ فقط وإنما من امتلاكه القدرة على إقناع أطراف النزاع بأنه قادر على الاستماع إليهم جميعا والتعامل معهم وفق قواعد واضحة دون أن يتحول إلى طرف في الصراع. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يواجه أي وساطة ليس فشل جولة تفاوضية وإنما فقدان الثقة في الوسيط. وعندما يبدأ أحد أطراف النزاع في النظر إلى الوسيط باعتباره أقرب إلى خصمه فإن المنبر يفقد جزءا أساسيا من قدرته على جمع الطرفين. وهنا تحديدا تكمن حساسية المرحلة الحالية فالتطورات السياسية الأخيرة بما فيها تعمق العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية والسلطات السودانية تفتح بابا مشروعا للتساؤل حول كيفية الفصل بين العلاقة الثنائية بين دولتين وبين الدور السعودي كوسيط في الحرب. ولا يعني هذا بالضرورة أن المملكة تخلت رسميا عن الوساطة أو أعلنت انحيازها لطرف بعينه وإنما يعني أن صورة الوسيط في نظر أطراف النزاع أصبحت قضية سياسية قائمة بذاتها.

 

ومن الضروري عدم الخلط بين أمرين مختلفين. فالدول من حقها أن تبني علاقاتها وتحالفاتها وفق مصالحها الوطنية والإقليمية لكن الوساطة شيء آخر. عندما تدخل دولة في علاقة سياسية أو أمنية أو استراتيجية مع أحد أطراف النزاع فإن عليها إذا أرادت الاستمرار في دور الوسيط أن تبذل جهدا أكبر لإثبات استقلالية عملية الوساطة. فالوساطة لا تعني انعدام المصالح فهذا أمر غير واقعي في العلاقات الدولية لكنها تعني أن المصالح لا تتحول إلى معيار لإدارة عملية السلام وهذا هو الاختبار الحقيقي لمنبر جدة.

 

لا يمكن قراءة الدور السعودي في السودان بمعزل عن الموقع الجيوسياسي للسودان. فالسودان يطل على البحر الأحمر ويقع في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لأمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية كما يمثل موقعه عاملا مهما في الأمن الإقليمي للبحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد شهد أغسطس 2026م تحركات سعودية سودانية متقدمة من بينها إنشاء مجلس تنسيق ثنائي يهدف إلى ترسيخ التعاون بين البلدين في إطار مؤسسي كما تزامنت هذه التطورات مع اتصالات إقليمية أوسع مرتبطة بأمن البحر الأحمر. وهنا يأتي طرح السؤال هل تتعامل الرياض مع السودان اليوم باعتباره ملف وساطة لإنهاء الحرب فقط أم باعتباره أيضا جزءا من منظومة أمن إقليمي ومصالح استراتيجية أوسع والإجابة عن هذا السؤال مهمة لفهم مستقبل منبر جدة.

 

في بداية الحرب كان التركيز الأساسي على وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والوصول الإنساني. أما اليوم فقد أصبح الصراع أكثر تعقيدا. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين بل أصبحت أزمة دولة وأزمة شرعية سياسية وأزمة أمن إقليمي وأزمة إنسانية واقتصادية عميقة. وبالتالي فإن الوسيط لم يعد يتعامل فقط مع سؤال كيف نوقف إطلاق النار بل أصبح مطالبا بالتعامل مع أسئلة أكثر تعقيدا أبرزها: من يحكم السودان بعد الحرب وكيف يعاد بناء المؤسسة العسكرية وكيف تدمج التشكيلات المسلحة وكيف تحمى الدولة من الانقسام وكيف يشارك المدنيون في صناعة المستقبل السياسي وكيف يتم منع تحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. وهذه الأسئلة تجعل أي وساطة معرضة بصورة أكبر لضغوط المصالح والتحالفات.

 

ربما لا تكون المشكلة في منبر جدة نفسه وإنما في البيئة السياسية المحيطة به. فالسودان أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح دول عديدة فهنالك المصالح الخليجية و مصالح دول البحر الأحمر و المصالح المصرية و المصالح التركية وهناك الحضور الدولي والإفريقي وهناك التنافس حول الموارد والموانئ والممرات التجارية. وبالتالي فإن أي وسيط إقليمي يعمل في هذه البيئة يجد نفسه أمام شبكة معقدة من المصالح ولهذا فإن الحفاظ على استقلالية الوساطة يحتاج إلى أكثر من التصريحات إنه يحتاج إلى قواعد واضحة وآليات شفافة ومسافة متوازنة من أطراف الحرب وإشراك أوسع للقوى المدنية السودانية.

 

إن تقييم الدور السعودي لا ينبغي أن يقوم على موقف سياسي مسبق من أي طرف. فقوات الدعم السريع طرف رئيسي في الحرب وكذلك القوات المسلحة السودانية طرف رئيسي فيها. والوساطة الناجحة لا تعني تبرئة أي طرف من المسؤولية عن الانتهاكات ولا تعني مساواة الضحية بالمتسبب في الانتهاك بل تعني إخضاع الجميع لمعيار واحد هو القانون وحماية المدنيين ووقف الحرب ووحدة السودان. وقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة مواقف سعودية رسمية تنتقد هجمات قوات الدعم السريع على المدنيين وتدعو جميع الأطراف إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار والالتزام بالواجبات الإنسانية وهذا يؤكد أن الموقف السعودي الرسمي لا يمكن اختزاله ببساطة في عبارة التخلي عن الحياد. لكن في المقابل فإن وجود علاقات سياسية متنامية بين الرياض والسلطات السودانية يجعل الحاجة إلى تأكيد استقلالية الوساطة أكبر لا أقل.

 

ربما يكون من المبكر إصدار حكم نهائي بالقول إن منبر جدة سقط لكن ما يمكن قوله إن المنبر دخل مرحلة اختبار حقيقية. فالمنبر الذي كان ينظر إليه باعتباره نقطة التقاء بين طرفي الحرب أصبح مطالبا اليوم بإثبات قدرته على الحفاظ على الثقة في ظل بيئة سياسية تغيرت بصورة كبيرة. وهنا ينبغي التفريق بين أمرين ففشل المنبر في تحقيق وقف مستدام للحرب لا يعني بالضرورة سقوطه لكن فقدان أحد الأطراف الثقة في حياد المنبر يمكن أن يؤدي عمليا إلى إضعافه حتى لو ظل قائما من الناحية الرسمية وهذه هي النقطة الأخطر.

 

إذا كانت جدة قد فقدت جزءا من قدرتها على جمع الأطراف فإن الحل ليس إلغاء المنبر بالضرورة بل ربما يكون الحل في إعادة تعريفه. فبدل أن يكون منبرا مغلقا على طرفي الصراع يمكن أن يتحول إلى منصة أوسع للسلام السوداني منصة تجمع القوى السياسية المدنية والمجتمع المدني والنساء والشباب والقيادات المجتمعية والمؤسسات الإقليمية والاتحاد الإفريقي والأطراف الدولية ذات الصلة مع الحفاظ على وجود طرفي الحرب في المسار التفاوضي. فالحرب قد تكون عسكرية في الميدان لكنها في واقع الحال أزمة سياسية لا يمكن حلها بالمسار العسكري وحده.

 

ففي السياسة ليس كافيا أن يقول الوسيط إنه محايد بل المطلوب أن يستطيع الآخرون رؤية الحياد في أفعاله وهذا يتطلب وضوحا في المعايير وتوازنا في التواصل مع الأطراف وشفافية في إدارة المفاوضات ورفضا واضحا لاستهداف المدنيين ورفضا لتحويل السودان إلى ساحة نفوذ إقليمي وإشراكا حقيقيا للسودانيين في تحديد مستقبل بلادهم. فالسلام الذي تصنعه العواصم الخارجية قد يوقف الحرب مؤقتا لكن السلام الذي يملكه السودانيون وحدهم هو الذي يستطيع أن يدوم ويستمر.

 

إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الوساطات الدولية والإقليمية هو أن تتحول الأزمة السودانية إلى مجرد ملف ضمن ملفات الأمن الإقليمي. فالسودان ليس مجرد موقع على البحر الأحمر أو ساحة تنافس بين القوى الإقليمية وليس مجرد مصدر للذهب أو الزراعة أو الثروة الحيوانية. السودان دولة وشعب وتاريخ ومستقبل. ولهذا يجب أن تكون الأولوية الأولى لأي وسيط مصلحة السودان وشعبه وليس مصالح الأطراف المتنافسة حوله.

 

إن السؤال هل سقط منبر جدة في فخ التحالفات السياسية ليس اتهاما بقدر ما هو سؤال سياسي مشروع تفرضه التحولات الجديدة. فالمنبر لم يعد يعمل في البيئة نفسها التي نشأ فيها والعلاقات الإقليمية تغيرت وموازين القوى تغيرت وطبيعة الحرب تغيرت وتداخلت المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية حول السودان بصورة أكبر. ولهذا فإن مستقبل جدة يتوقف على قدرتها على استعادة أهم عنصر في أي وساطة وهو الثقة. وإن أرادت المملكة العربية السعودية المحافظة على مكانتها كطرف قادر على صناعة السلام في السودان فإن الطريق لا يكون بالابتعاد عن السودان وإنما بزيادة الانخراط الجاد من أجل السلام مع الحفاظ على المسافة السياسية الضرورية بين الوسيط وأطراف الصراع. فالسعودية تستطيع أن تكون شريكا استراتيجيا للسودان وفي الوقت ذاته وسيطا للسلام لكن ذلك يتطلب وضوحا في الفصل بين العلاقة الثنائية ووظيفة الوساطة.

 

وفي النهاية فإن المطلوب ليس إسقاط منبر جدة وإنما إنقاذه من أي شبهة اصطفاف وإعادة بنائه على أساس الحياد والثقة والشفافية والشراكة السودانية الحقيقية. فالسودان لا يحتاج إلى منبر ينتصر فيه طرف على طرف ولا يحتاج إلى تحالف إقليمي جديد يضاف إلى قائمة التحالفات. لكنه يحتاج إلى مسار ينتصر فيه السلام على الحرب والدولة على الفوضى والمواطنة على الانقسام والإرادة السودانية على حسابات الآخرين. وهنا فقط يستطيع منبر جدة أن يستعيد دوره لا بوصفه منصة للمساومات السياسية وإنما بوصفه منبرا لصناعة السلام السوداني.

 

25 أغسطس 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!