سلسلة: كشف المستور (19) إزاحة النقاب عن الأبارتهايد المقنع (2) خمسون درجة من السواد: “سوق الألوان” وعقدة النقص الوطنية لماذا يعتبر “اللون الأخضر” تهمة في السودان؟
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
“العباسي” الذي يكره وجهه!
حينما كنت أعيش في بلجيكا، قبل سنوات طويلة، كانت لي جارة عملت سابقاً في السلك الدبلوماسي الأوروبي. سيدة بيضاء، مثقفة، وتعرف خبايا السياسة الدولية. في أحد الأيام، طرقت باب بيتنا بلهفة وقالت لزوجتي: “افتحي التلفاز بسرعة على BBC، هناك مقابلة مع شخصية سودانية.” كان البرنامج هو (Hard Talk)، والضيف كان “سفاح الإنقاذ”، علي عثمان محمد طه. كان يتحدث بغرور، يبرر الموت والدمار، ويتحدث بلسان “العروبة” وكأنه حامي حمى قريش في أفريقيا.
التفتت إليّ جارتي، وعلامات الدهشة تعلو وجهها، وسألتني سؤالاً نزل عليّ كالصاعقة: “هل هذا الرجل يعتقد حقاً أنه عربي؟” قلت لها بحرج: “نعم.. بل يعتقد أنه أنقى عرقاً من العرب أنفسهم.” ضحكت بسخرية وقالت جملة لخصت مأساة السودان في بضع كلمات: “ليت أحد المحيطين به يضع أمامه مرآة ويقول له: أنظر يا رجل!”
قلت لنفسي، ترى ماذا كانت ستقول جارتي إن رأت الأزهري أو عبود أو حتى “السيدين”، الذين وضعونا في هذا المأزق التاريخي الكبير.
انفصام الشخصية الوطني
تلك السيدة الأوروبية لم ترَ “الشيخ الجليل” ولا “النائب الأول”. رأت رجلاً أسود البشرة، أفريقي الملامح، ينكر أصله ويدعي وصلاً بليلى التي لا تعرفه. هذه ليست مشكلة علي عثمان وحده. هذه هي “العقدة النفسية الأم” للنخبة السودانية المركزية.
نحن نعاني من حالة جماعية من “اضطراب تشوه الجسم” (Body Dysmorphic Disorder). نقف أمام المرآة، فلا نرى “السواد” الذي يكسو وجوهنا، ولا نرى أنوفنا الأفريقية المفلطحة، ولا شعرنا الأكرت. عقولنا مبرمجة لترسم لنا “هلاوس بصرية”: نرى أنفسنا “بيضاً”، “عباسيين”، “أحفاد العباس”، بينما العالم كله يرانا سوداً (Blacks).
لماذا يكرهون “الغرابة”؟ (إسقاط الكراهية الذاتية)
في علم النفس، حينما تكره جزءاً من نفسك ولا تستطيع التخلص منه، فإنك تسقطه على الآخرين لتدمرهم. نخبة “مثلث حمدي” لم تحرق دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق لأنهم “مختلفون” عنهم. لا.. الحقيقة الموجعة هي أنهم حرقوهم لأنهم “يشبهونهم جداً”!
الإنسان في دارفور أو جبال النوبة هو “المرآة” التي تذكر “الأفندي المستعرب” بأصله الذي يهرب منه. هو يرى في “الزرقة” سواده الذي يحاول غسله بالكريمات وبشجرة النسب المزورة. لذلك، هو لا يريد قتلهم فحسب، هو يريد “محو عار أصله”. علي عثمان و عبود ومن معهم، حينما أمروا بالإبادة، كانوا يحاولون قتل “الأفريقي” القابع داخلهم هم.
في المقال السابق، فككنا “الكود المصدري” السياسي للدولة. اليوم، سنخترق “الكود الاجتماعي”. سنواجه الحقيقة التي نهمس بها في المجالس الخاصة وننكرها في العلن.
سلم “الألوان” الملعون
في أي مكان في العالم، الألوان واضحة: الأسود أسود، والأبيض أبيض. إلا في السودان. لدينا “كتالوج” ألوان خاص بنا، معقد، ومربك، ومليء بالعقد النفسية. لدينا: (أخضر، أزرق، أحمر، أصفر، حلبي، حر، عبد). هذه ليست مجرد أوصاف لبشرة الإنسان؛ هذه “رتب” اجتماعية تحدد مكانك في الهرم الطبقي لدولة الأبارتهايد المقنع. نحن مجتمع مهووس بالهروب من “السواد”، رغم أننا سودانيون!
الديكتاتورية اللونية: وهم “العروبة” البيضاء
الخدعة الكبرى التي رسخها “كارتيل المركز” (النخبة النيلية) هي ربط “العروبة” بـ “اللون الفاتح”. لتقنع نفسك والآخرين بأنك “عربي” ولست “أفريقياً” (بالمعنى الدوني الذي رسخوه)، كان عليك أن تثبت ذلك بامتيازاتك الشكلية. ومن هنا نشأت “بورصة الألوان”:
اللون الأصفر/الأحمر: هو تذكرة الـ VIP. صاحبه يُعامل تلقائياً باحترام، وتُفتح له الأبواب، ويُفترض فيه “النقاء العرقي” والذكاء والجمال، حتى يثبت العكس.
اللون الأخضر: وهو اللون الأسمر العادي (لون غالبية أهل الوسط). هو لون “مقبول” لكنه يحتاج لتدعيم بالنسب والمال ليعبر.
اللون الأزرق (الأسود الداكن): هنا تكمن “التهمة”. في العقل الباطن لدولة 56، اللون “الأزرق” مرتبط فوراً بالهامش، بالعبودية التاريخية، وبالدونية. إذا كان لونك أزرق، عليك أن تبذل جهداً مضاعفاً عشر مرات لتثبت أنك “محترم” أو “ابن ناس”.
“نظف عرقك”.. (تحسين النسل)
هل سمعت عبارة الجدات الشهيرة: “يا ولدي، دايرين ننجّر ليكم”؟ أو النصيحة الذهبية: “أحسنوا الاختيار.. نظفوا عرقكم”؟ هذه العبارات التي تبدو بريئة هي في الحقيقة تطبيق عملي لنظرية “تحسين النسل” (Eugenics) العنصرية. المقصود بـ “التنظيف” و”النجارة” هو الزواج من فتاة “أفتح لوناً” ليكون الأبناء أقل سواداً من الآباء. نحن نمارس عملية “غسيل عرقي” طوعية داخل غرف نومنا، لننتج جيلاً “مقبولاً” لدى المركز. الهدف ليس الحب، الهدف هو إنتاج أبناء يملكون “جواز مرور” شكلي يحميهم من تنمر الدولة والمجتمع.
كريمات التبييض: سلخ الجلد.. لإرضاء الجلاد
لماذا تنتشر كريمات تبييض البشرة (فسخ وجلخ) في السودان بشكل وبائي، أكثر من أي دولة أفريقية أخرى؟ هل هو مجرد “هوس تجميلي”؟ لا. إنه استراتيجية بقاء اقتصادي. الفتاة السودانية (خاصة بنات الهامش وبنات الأقاليم أو ذوات البشرة الداكنة) تدرك بذكائها الفطري أن “اللون الفاتح” هو شرط غير مكتوب في “السيرة الذاتية” (CV): للقبول في وظيفة، للظهور على الشاشة، أو للحصول على عريس مقتدر. هي لا تكره لونها، لكنها تكره “الفقر والاحتقار” الذي يجلبه لونها في دولة مريضة. هي تسلخ جلدها لتشتري “إنسانيتها” في سوق النخبة.
الإعلام.. مرآة مكسورة
انظر إلى شاشاتنا طوال الـ 70 عاماً الماضية. هل ترى فيها وجه “الإنسان السوداني” الحقيقي؟ هل ترى فيها سحنات النوبة، أو الفونج، أو الفور، أو البجا بملامحهم الأصيلة؟ نادراً. الشاشة كانت حكراً على “قالب واحد”: المذيع ذو الملامح العربية، البشرة الفاتحة، واللسان المستعرب. هذه الرسالة البصرية المستمرة خلقت “عقدة نقص وطنية”. الطفل في دارفور أو جبال النوبة ينشأ وهو يرى أن “الجمال” و”النجاح” و”السلطة” لها وجه واحد.. وجه لا يشبهه. فيكبر وهو يكره وجهه، ويكره أصله، ويحلم بأن يصبح “مثلهم”.
العرب.. وأبناء العم “المنبوذين”
المضحك المبكي في هذه التراجيديا، هو نظرة “العرب الحقيقيين” لنا. في الخليج، في مصر، في الشام.. نحن “سودانيون”. نقطة. كلمة “زول” عندهم تعني “الطيب الأسود”. لا يهمهم إن كان جدك العباس أو جهينة. بالنسبة لهم، أنت أفريقي طيب. نحن نقتل إخوتنا في الجنوب والغرب لنرضي “عروبة” لا ترانا أصلاً إلا كـ “تابعين” في المقاعد الخلفية للجامعة العربية.
الحرب.. وسقوط القناع الاجتماعي
عندما اندلعت حرب 15 أبريل، سقطت كل هذه المساحيق. رأينا كيف استخدمت مصطلحات مثل “العبيد”، “الزرقة”، “الغرابة”، و”عرب الشتات” كشتائم سياسية وعسكرية. رأينا كيف تنكرت الآلة الإعلامية لعرب البوادي وخاضت في دمائهم وحتى في أعراضهم! اكتشفنا أن كل “كريمات التجميل” الوطنية لم تنجح في إخفاء القبح العنصري الذي يغلي تحت سطح دولة 56.
كما اكتشفنا أن نخب المركز يستخدمون “العروبة” فقط “كسلاح”، لتقسيم السودانيين وصناعة العداوة والبغضاء بينهم، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للسيطرة عليهم ونهب مواردهم. ليس هناك دليل يوضح ذلك أكثر مما يعيشه عرب البوادي في دارفور وكردفان والنيل الأبيض والنيل الأزرق، بل حتى في الجزيرة وضواحي الخرطوم وشرق النيل، من بؤس وإفقار. العروبة المدعاة هي عبارة عن “نقاطه” وآلية للتقسيم من أجل المصالح الاقتصادية فقط.
نفاق المصالح: “أفريقي” في لندن.. “عباسي” في الخرطوم!
لقد رأينا هؤلاء “المنفصمين” حتى عندما تضيق بهم في السودان، يهاجرون إلى الغرب، إلى العالم المتحضر. وحين يملأ أحدهم استمارة ما، تجد أنه بنفسه وبإرادته، يكتب في وصف عرقه: “أفريقي أسود” (Black African). تجده بنفسه وبإرادته يقول لموظف الهجرة: “أنا سوداني أفريقي، وتعرضت للاضطهاد بسبب عرقي”، حتى يحصل على حق الإقامة والعمل والجنسية (مصالح اقتصادية أيضاً). بينما هو في السودان “عباسي” يؤيد إبادة السودانيين!
لقد بلغنا مبلغاً سحيقاً من عدم الإنسانية والتوحش بسبب انتهازية هؤلاء المنفصمين.
اليوم، يتم تصنيف الناس في الارتكازات ونقاط التفتيش ليس فقط ببطاقاتهم، بل بألوانهم وسحناتهم. “عرب البوادي” أو “اللون الأزرق” قد يكون رصاصة في الرأس في مناطق سيطرة جيش الكارتيل.
الخلاصة: الثورة تبدأ من المرآة
إسقاط “دولة 56” لا يتم فقط بالبندقية أو بالسياسة. إسقاطها يبدأ حينما ننظر في المرآة ونحب “سوادنا” و”بياضنا” وجميع ألواننا. يبدأ حينما نتخلص من الأمراض النفسية التي نشرتها الدولة بيننا لكي تشغلنا وتنهب ثرواتنا. يبدأ حينما نتوقف عن “تنجير” أنسابنا، ونتوقف عن السعي لرضا السيد “الهارب الموهوم” القابع في بورتسودان.
نحن سودانيون. جميعنا خلق الله. ألواننا هي ألوان الأرض: الطمي، الأبنوس، والداج. ومن لا يعجبه لوننا، فليرحل هو.. لأن هذه الأرض تشبهنا نحن. أوقفوا الحرب ضد ذواتكم. تصالحوا مع وجوهكم.. فالسواد ليس عاراً، العار هو أن تكون “مسخاً” يقتل أهله ليرضي أوهامه.
في المقال القادم: بعد أن أزحنا الغطاء “السياسي” والغطاء “المجتمعي” للأبارتهايد المقنع،
جاء دور كشف المؤامرة “الاقتصادية”..
و إزاحة الستار السبب الحقيقي للصراع. “المصالح الاقتصادية”.
كيف تمت سرقة ثروات البلاد؟ خريطة الامتياز: مثلث “الكارتيل” وهندسة الفقر في الهامش.
عصابات التمويل/العطاءات/ الإعفاءات الجمركية.
أين تذهب أموال الذهب والنفط و الصمغ و الثروة الحيوانية؟
ولماذا الفقراء يزدادون فقراً بينما أثرياء الحرب يشترون العقارات في إسطنبول والقاهرة؟




