رأي

الدولة السودانية الموروثة من الاستعمار: مراكز القوة التي قامت عليها، قراءة في بنية الدولة تسوية الإستقلال إلى سؤال السلام التأسيسي

بقلم: عبدالله ديدان

عندما نتحدث عن الدولة السودانية الموروثة من الاستعمار، لا ينبغي أن نفهم الميراث الاستعماري بإعتباره مجرد قوانين أو مبان حكومية أو جهاز إداري إنتقل إلى السودانيين عام 1956، العملية التى عرفت بالسودنة، فالميراث الأهم كان بنية السلطة، الذين يملكون القرار، أين تتركز القوة، من يدير الأرض والموارد، من يحتكر السلاح ومن يملك القدرة على تمثيل الدولة، من هذه الزاوية، فإن الدولة السودانية بعد تسوية الإستقلال لم تبدأ من فراغ، بل ورثت شبكة من مراكز القوة (de facto power centers) التي أعيد إنتاج بعضها بأشكال جديدة، بينما تغيرت وظائف بعضها الآخر، لذلك فإن سؤال إعادة تأسيس الدولة السودانية يتطلب أولا تفكيك هذه المراكز وفهم كيفية عملها.

المركز الإداري في الخرطوم، كان أهم مراكز القوة التي ورثتها الدولة السودانية، فهو المركز الإداري والسياسي والإقتصادي والثقافي، إذ أن النظام الاستعماري أنشأ جهازا إداريا شديد الإرتباط بالمركز وكان كبار الموظفين والمفتشين يمثلون السلطة الحكومية في الأقاليم، بحيث يمكننا القول بأن الإدارة الاستعمارية في السودان، قد قامت على جهاز بيروقراطي مركزي قوي، إلى جانب الإدارة الأهلية في المناطق الريفية،

و بعد تسوية الإستقلال، لم يختف هذا المركز ولم يتم تفكيكه لصالح بناء الدولة الوطنية المؤسسة على التنوع والمواطنة، بل أصبح مركز الدولة المستمر والمختل كمشروع للدولة، بالتالي فقد إنتقلت السلطة من

المركز الإستعماري المختلط إلى المركز المسودن بذات البنية الإستعمارية، عليه بقيت المشكلة قائمة وتنمو بإستمرار لأنه لم تحدث عملية تأسيس وطني للدولة تقوم على إعادة التوزيع الجوهرية والعادلة للسلطة بين المركز والأقاليم، لهذا أصبحت الخرطوم ليست فقط عاصمة سياسية و إنما مركزا لإنتاج القرار وتوزيع الموارد وتحديد أولويات الدولة.

قاد ذلك الى نشوء إحدى أهم أزمات السودان منذ تسوية الإستقلال لدولة واسعة ومتنوعة، لكن مركز صناعة القرار ظل شديد التركيز فى مركز يتحكم بكل شيء ويقرر شروط الدولة بمعزل عن شعوبها.

كذلك من مراكز قوة الدولة الموروثة من المستعمر، نجد البيروقراطية والدولة المركزية،فالمركز السياسي لم يكن وحده، بل ورث جهازا بيروقراطيا حديثا نسبيا، يعتمد على الإدارة المركزية والقانون والموظفين الحكوميين وهذا الجهاز كان أحد أعمدة الدولة الاستعمارية، ثم أصبح بعد تسوية الاستقلال أحد أعمدة الدولة الموروثة من المستعمر، حيث تحولت أجهزة الدولة البيروقراطية في غياب اللامركزية الفعلية والمساءلة الديمقراطية، من أداة لخدمة الدولة إلى مركز قوة قائم بذاته وجرءا من سيطرة النخب وريثة المستعمر، فأصبح الوصول إلى الجهاز الحكومي والوظائف العليا والموارد الإدارية جزءا من الصراع السياسي بين النخب والصفوة، والأخطر هو أن الدولة المركزية، أصبحت هي الوسيط الرئيسي بين المجتمع والموارد ، بحثت باتت الخدمات والحقوق الأساسية تقرر مركزيا مثل التعليم، الوظائف، التنمية، الأراضي، المشاريع، والخدمات، هذا إضافة إلى أن المؤسسات المالية الموروثة من الحقبة الاستعمارية، بجانب تزايد مركزية السلطة، أسهمت في تشكيل مسار التنمية بعد تسوية الإستقلال وفي تعزيز شبكات المحسوبية السياسية والتحالفات بين مراكزة القوة الموروثة.

من مراكز القوة الأساسية والحاسمة، نجد المؤسسة العسكرية تلعب الدور الرئيسي والقائد فى تنفيذ الدولة التى صممها المستعمر والنخب التى ورثته، فإذا كان المركز الإداري هو العمود السياسي للدولة الموروثة، فإن المؤسسة العسكرية أصبحت أحد أهم مراكز القوة في الدولة السودانية بعد تسوية الاستقلال، بحيث باتت تشكل مركز سلطة الحكم والقيادة والسيطرة على مركز القرار،

لقد كان التنظيم العسكري السوداني نفسه نتاج للإرث الاستعماري، فقد أنشأ البريطانيون قوة دفاع السودان بعد إعادة تنظيم القوات العسكرية، وقسم التجنيد والتنظيم العسكري وفق إعتبارات إقليمية وإثنية، وهي ترتيبات تركت آثارا بنوية و طويلة الأمد على المؤسسة العسكرية، فأصبحت مؤسسة سياسية إقتصادية تستخدم قوتها العسكرية فى الانقلابات العسكرية بالتواطء مع مراكز القوي السياسية والإقتصادية، كلما برزت محاولات من الشعوب المهمشة تنادي بتأسيس دولة وطنية وفك إحتكار القوي وريثة المستعمر، فبات الجيش لاعبا مباشرا في السلطة السياسية، ومنذ ذلك الوقت، لم يعد السؤال فقط، كيف تحمي المؤسسة العسكرية حدود الدولة، بل أصبحنا نتسائل، هل الجيش تابع للدولة أم أن الدولة أصبحت تابعة لمركز القوة العسكرية للجيش ، لأنه ظل يحكم منذ العام ١٩٥٦ وبتحالف مع قوي سياسية، هذا أحد أهم الأسئلة التي يجب أن تخاطبها عمليات السلام التأسيسي.

كذلك نجد مم ضمن مراكز القوة هذه، النخب الحضرية والتعليمية، فهي من مراكز القوة التي ساعد الإستعمار على إنتاجها و توسيع دائرة نفوذها السياسي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي، فالتعليم الحديث والإدارة المدنية ،أنتجا طبقة من المتعلمين الذين أصبحوا لاحقا نواة ما تمت تسميته بالحركة الوطنية والأحزاب السياسية والإدارة الحكومية، حيث نشأت مفارقة عجيبة،

فالنخبة التي قادت مشروع تسوية الإستقلال كانت في الوقت نفسه الأكثر قربا من مؤسسات الدولة الحديثة التي أنشأها الاستعمار حتى أصبحت هذه النخب وريثة المستعمر تشكل الوسيط الرئيسي بين الشعوب السودانية و الدولة، كما عملت على المحافظة على الدولة التى ورثتها من المستعمر وترسيخ مراكز قواها، لتنتج بذلك، أحد أفشل المشاريع السياسية وأكثر دولة معادية لشعوبها فى تاريخ المستعمرات البريطانية، لذلك ظل السودانيون فى حيرة كبيرة من أمرهم فى شأن معني الإستقلال، و هل نجحت تسوية الإستقلال في توسيع ملكية الدولة لتشمل المجتمع كله، أم إنتقلت الدولة من يد الإدارة الإستعمارية إلى نخبة ومحدودة ورثت دولة الإستعمار،

بالطبع الإجابة ليست مطلقة، لكن إستمرار المركزية السياسية وفشل تأسيس دولة المواطنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!