رأي

المرأة السودانية وصناعة السلام: من ضحايا الحرب إلى شريكات في بناء المستقبل

زهراء الصافي زندو

 

زهراء الصافي زندو 

يمر السودان اليوم بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث ألقت سنوات الحرب والنزاعات بظلالها الثقيلة على المجتمع والدولة، مخلفةً أزمات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة. وفي خضم هذه التحديات، تبرز قضية مشاركة النساء في مفاوضات السلام باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق سلام عادل ومستدام، لا مجرد مطلب حقوقي أو تمثيل رمزي.

لقد كانت المرأة السودانية من أكثر الفئات تأثراً بالحروب والنزاعات المسلحة، إذ تحملت أعباء النزوح وفقدان المعيل وتفكك الأسر وتراجع الخدمات الأساسية. غير أن هذه المعاناة لم تمنعها من القيام بأدوار وطنية وإنسانية بارزة، حيث ظلت في مقدمة الجهود الرامية إلى تعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم مبادرات المصالحة، وتقديم العون للمتضررين، والمحافظة على استقرار المجتمعات المحلية في أحلك الظروف.

وتنبع أهمية مشاركة النساء في مفاوضات السلام من امتلاكهن خبرات ومعارف متراكمة اكتسبنها من معايشة الواقع اليومي للحرب وتداعياتها. فوجود المرأة على طاولة التفاوض يسهم في طرح قضايا جوهرية تتعلق بحماية المدنيين، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الضحايا، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة، وهي قضايا تمثل الأساس الحقيقي لأي عملية سلام ناجحة.

كما أثبتت التجارب الدولية أن اتفاقيات السلام التي تشارك النساء في صياغتها وتنفيذها تكون أكثر شمولاً واستقراراً، لأنها تعالج جذور النزاعات ولا تكتفي بمعالجة مظاهرها فقط. فالمرأة لا تمثل نفسها وحدها، بل تنقل تطلعات الأسر والأطفال والفئات الأكثر تضرراً من الحروب، وتعمل على إدماج البعد الإنساني والاجتماعي في الحلول السياسية.

ورغم هذه الأهمية الكبيرة، ما تزال مشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار تواجه تحديات عديدة، من أبرزها ضعف التمثيل في الوفود التفاوضية، واستمرار بعض القيود الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى محدودية الفرص المتاحة أمام القيادات النسائية للوصول إلى مواقع التأثير واتخاذ القرار. الأمر الذي يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضمن تمثيلاً عادلاً وفاعلاً للنساء في جميع مراحل العملية السلمية.

إن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد إسكات صوت البنادق، بل يتطلب بناء الثقة، وتحقيق العدالة، وترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس المشاركة والمساواة. ولذلك فإن إشراك النساء في التفاوض وصنع السلام ومتابعة تنفيذ الاتفاقات يمثل ضرورة وطنية واستراتيجية لا غنى عنها.

فالمرأة السودانية أثبتت عبر التاريخ قدرتها على العطاء والقيادة وصناعة التغيير، ومن حقها أن تكون شريكاً كاملاً في رسم مستقبل البلاد. إن تمكين النساء من المشاركة الفاعلة في مفاوضات السلام ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو استثمار حقيقي في أمن السودان واستقراره وتنميته، وضمانة أساسية لبناء وطن يسع الجميع.

زهراء الصافي محمد مصطفى زندو 

رئيس منظمة نساء السودان الواعد للتنمية وبناء القدرات والسلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!