رأي

إزالة السكن أم إزالة الإنسان؟ سؤال العدالة في حملات أمبدة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

ما يجري في الحارة 26 الصافية بمحلية أمبدة لا يمكن اختزاله في أرقام الإزالات ولا في البيانات الرسمية التي تتحدث عن “تنظيم الأراضي” و“فرض هيبة الدولة”. فإزالة أكثر من ألف منشأة خلال أيام قليلة تفتح سؤالًا أعمق من مخالفة تخطيطية: من يُستهدف فعليًا بهذه الحملات، ومن يدفع كلفة السياسات الغائبة منذ عقود؟

تقول سلطات الأمر الواقع في ولاية الخرطوم إن حملات إزالة السكن العشوائي لا تستهدف فئة بعينها، وإنها ضرورة تفرضها اعتبارات التخطيط العمراني وحماية الأراضي العامة. لكن الواقع على الأرض، كما يرويه المتضررون والناشطون، يرسم صورة مختلفة؛ صورة لأحياء تسكنها غالبًا أسر جاءت من الهوامش، هاربة من نيران الحروب الأهلية، ومن التهميش الاقتصادي والاجتماعي، بحثًا عن حد أدنى من الأمان في أطراف العاصمة.

هؤلاء لم يختاروا “العشوائية” ترفًا أو تحديًا للقانون، بل دُفعوا إليها دفعًا بفعل غياب الدولة نفسها عن واجباتها الأساسية: غياب سياسات الإسكان، وغياب التخطيط العادل، وغياب التنمية المتوازنة التي تجعل الهجرة إلى الخرطوم خيارًا لا قدرًا محتومًا. وحين تُهدم منازلهم اليوم دون تعويض عادل أو بدائل حقيقية، يتحول خطاب التنظيم إلى أداة عقاب جماعي.

المؤسف أن هذه الحملات، في سياقها الحالي، تُعيد إنتاج منطق الإقصاء نفسه الذي فجّر الأزمات في السودان. فبدل معالجة الجذور، يجري التعامل مع النتائج بالقوة. وبدل الاعتراف بالنازحين داخليًا كمواطنين لهم حقوق، يُعاملون كمتعدّين يجب إزاحتهم من المشهد الحضري. هنا لا يصبح السؤال عن قانونية المباني فقط، بل عن أخلاق السياسة وعدالتها.

الاستهداف، كما يراه كثيرون، ليس عشوائيًا. فهو يصيب مناطق بعينها، وسكانًا بعينهم، في توقيت بالغ الحساسية إنسانيًا واقتصاديًا. وهذا ما يجعل الشكوك حول وجود فرز قائم على الهوية والانتماء الاجتماعي والجغرافي شكوكًا مشروعة، لا مجرد مزاعم عاطفية.

لا أحد يجادل في حق الدولة – أي دولة – في تنظيم أراضيها، لكن هذا الحق يفقد معناه حين يُمارس بمعزل عن العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان. فالسكن ليس رفاهية، بل حق أساسي، ومعالجته بالقوة وحدها لا تنتج مدينة منظمة، بل مدينة أكثر انقسامًا وهشاشة.

إن الخرطوم اليوم لا تحتاج فقط إلى جرافات، بل إلى رؤية: رؤية تعترف بأن العشوائيات ليست جريمة، بل عرضًا لمرض مزمن اسمه التهميش. ومن دون هذه الرؤية، ستظل الإزالة تُسقط الجدران، لكنها لن تبني وطنًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!