
تحقيق : حنان الطيب
إيمان (15سنة) فقدت بيتها في الخرطوم بسبب القصف، وانتقلت مع أسرتها إلى معسكر مزدحم بلا مدارس. والدتها قالت: “زوجناها لتجد من يحميها.” لكن الزواج لم يمنحها حماية، بل حرماناً مضاعفاً من التعليم والطفولة.
اما هدى (16 سنة) في الجزيرة، حيث الجوع يطرق الأبواب، أجبرت على الزواج لتخفيف العبء عن أسرتها. حلمها بأن تصبح طبيبة دفن تحت أنقاض الحرب، وأصبحت حياتها سلسلة من الصدمات والدموع.
بين قصة إيمان. وهدى ، تتشابك خيوط الفقر والنزوح مع العادات القاسية. فكلاهما أصبح رهينة لواقع لا يعترف بحق الطفلة في التعليم ولا يحمي أحلامها الصغيرة، بل يدفنها تحت أنقاض الحرب والجوع.
في بعض مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، تغيب المدارس والمستشفيات، ويُجبر النازحون على تقاسم الطعام القليل والمأوى الضيق. وسط هذا الحرمان، تتحول الطفلات إلى ضحايا قرارات قاسية، حيث يُنظر إلى الزواج كحل لتخفيف العبء الاقتصادي أو لتأمين مأوى، بينما هو في الحقيقة مأساة تُدفن فيها الطفولة والأحلام.
سلمى (15 سنة)نزحت من الجنينة بعد أن فقدت والدها في القصف. في المخيم، لم تجد سوى خيمة ممزقة وأم مثقلة بالهموم. زُفت لرجل يكبرها بثلاثة عقود مقابل مهر بسيط، لتتحول طفولتها إلى عبء جديد بدل أن تكون أمل الأسرة.
سارة (17 سنة) كانت تحلم أن تصبح طبيبة، لكن الحرب أغلقت أبواب مدرستها ودفنت حلمها تحت الركام. أسرتها، التي تعيش على مساعدات قليلة، رأت في الزواج وسيلة لتأمين الطعام والمأوى واليوم، تجد نفسها محاصرة بواقع لا يشبه أحلامها حيث تحولت طفولتها إلى سلسلة من صدمات ودموع.
نون آدم (16 سنة): بصوت مكسور، يروي والدها من ولاية الجزيرة كنت أبحث عن وسيلة أحمي بها أسرتي من الجوع والخوف. ظننت أن الزواج سيخفف العبء، لكنه كان عبئاً أكبر. الحرب لم تترك لنا سوى الندم.
نهى حسن (15 سنة) والدها يقول النزوح جعلنا نعيش في خيام لا تقي برداً ولا حرّاً، والجوع كان يطرق أبوابنا كل يوم. دفعتني الظروف لتزويجها لرجل في سن والدها تقريباً، وأنا أرى دموعها تختفي خلف صمتها. لم أحْمِها، بل سلّمتها لمصير صنعه الفقر والخوف.
حقائق وأرقام
تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة زواج الطفلات في السودان قبل الحرب بلغت نحو 38%. لكن مع تصاعد النزاع المسلح وتفكك البنية الاجتماعية ارتفعت النسبة إلى 40% في المناطق الريفية، وفق تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (نوفمبر 2025). الحرب لم تُنشئ الظاهرة لكنها عمّقتها، إذ عطّلت الخطة القومية لإنهاء زواج الأطفال (2021–2030)، وأضعفت برامج التعليم والتوعية، مما جعل الأسر أكثر ميلاً لتزويج بناتها. المجلس القومي لرعاية الطفولة أشار إلى أن انهيار المدارس وانعدام فرص العمل جعل الأسر ترى الزواج وسيلة لتخفيف العبء، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لتوفير بدائل اقتصادية وتعليمية للفتيات.
معدلات الوفيات
أوضحت د. إيمان أحمد، طبيبة نساء وتوليد، أن الحمل المبكر يرفع احتمالات الإصابة بتسمم الحمل، النزيف، والإجهاض. الولادة في هذا العمر كثيراً ما تكون معقدة وتنتهي بعمليات قيصرية، مع خطر الوفاة أثناء الولادة. كما ترتفع معدلات وفيات الأمهات والأطفال بسبب الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد.
حرمان للطفلات
قال الخبير القانوني النور حسن يُعرَّف زواج الطفلات بأنه ارتباط أي فتاة دون سن الثامنة عشرة بعقد زواج رسمي أو غير رسمي. حتى لو تم بموافقة الأسرة أو المجتمع، يُعتبر تلقائياً زواجاً قسرياً، لأن الطفلة لا تمتلك الأهلية القانونية أو النفسية لاتخاذ قرار مصيري كهذا.هذا الزواج يترتب عليه حرمان الطفلة من التعليم، الطفولة، والنمو الطبيعي، ويعرضها لمخاطر صحية ونفسية جسيمة. وفي السودان، رغم أن قانون الطفل لسنة 2010 يحدد سن الزواج بـ 18 عاماً، إلا أن الحرب والفقر والنزوح يضعفان تطبيق هذه القوانين، مما يجعل الظاهرة ممارسة غير مشروعة تستوجب المساءلة القانونية. فانتشرت الظاهرة بشكل واسع.
كبديل للحماية
توضح الخبيرة النفسية د. ناهد محمد الحسن أن تصاعد زواج الطفلات في سياق الحرب لا يمكن فهمه فقط كنتيجة للفقر أو النزوح، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية قديمة تختزل المرأة في جسدها وتدار بالخوف لا بالوعي. الحرب لا تُنتج هذه البنية، لكنها تُحرّرها وتدفع بها إلى السطح كآلية نجاة في واقع ينهار.في ظل النزوح وفقدان المنزل والشبكات الاجتماعية والأمان، تتراجع البنى الحديثة ويُقدَّم الزواج كبديل للحماية، بينما تُختزل الطفلة إلى عبء يجب التخلص منه. هذا الضغط المركّب يجعل القرار بعيداً عن الحرية، ويعيد إنتاج وعي تناسلي مغلق يربط وجود الفتاة بجسدها فقط.من الناحية النفسية، يمثل الزواج المبكر اقتلاعاً قسرياً من مسار النمو الطبيعي. فالطفولة والمراهقة ليستا مجرد مراحل بيولوجية، بل محطات أساسية لتشكّل الهوية واكتساب الاستقلال وبناء القدرة على الاختيار. حين تُدفع الطفلة إلى الزواج، تُلقى في تجربة لم تكتمل شروطها بعد، فتفقد حقها في تكوين ذاتها وتدخل علاقة غير متكافئة، محمّلة بضغوط الحمل والمسؤولية وربما العنف، دون امتلاك أدوات التكيّف. وهكذا يتحول الزواج من مؤسسة يُفترض أن تقوم على الشراكة إلى مصدر لصدمة ممتدة تعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها.تؤكد د. ناهد أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على المنع القانوني، بل تتطلب تفكيك البنية التي تنتجها: الخوف من الجسد الأنثوي، الاقتصاد القائم على إدارة الهشاشة، والوعي الاجتماعي المختزل. حماية الطفلات تعني إعادة تعريفهن كإنسان كامل له الحق في النمو والتعليم والاختيار، لا كجسد يُدار في زمن الأزمات.
مؤشر خطير
أكد د عبد القادر ابو الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة ارتفاع نسب زواج الطفلات بشكل ملحوظ خلال سنوات الحرب الأخيرة، حيث تراجعت حماية القانون أمام ضغط الفقر والنزوح. قال أي زواج يتم قبل سن الثامنة عشرة هو زواج قسري وانتهاك مباشر لحقوق الطفل.أوضح أن الظاهرة تحرم الطفلة من التعليم، النمو الطبيعي، والصحة الجسدية والنفسية.أشار إلى أن الحرب والنزوح ساهمت في زيادة النسبة، لكنها لا تُبررها، بل تجعلها أكثر خطورة.دعا إلى تفعيل قانون الطفل لسنة 2010، وتطبيق العقوبات على من يزوّجون الأطفال ، باعتبار أن حماية الطفولة مسؤولية جماعية. وجاء في بيانه
“الطفولة ليست عبئاً يُتخلّص منه بالزواج المبكر، بل هي مرحلة أساسية لبناء الإنسان. وارتفاع النسبة في ظل الحرب مؤشر خطير يستدعي تحركاً عاجلاً.”




