

في عالم السياسة السودانية كانت السقوف التي رُفعت باسم التنظيم، والولاء، والانتماء، مجرد قيود مقنعة ، قيود لا تمنح الإنسان ذاته، بل تُعيد تدويره داخل نخبة مركزية تحتكر الحديث باسم الجميع لعقود، ظل الهامش يُطلب منه أن يسمع لا أن يتكلم، أن يتبع لا أن يُبادر، وأن يقدم الدم بينما تُصاغ الرواية من خارجه ، لكن الزمن لا يرحم الثبات، والتاريخ لا يتسع للأكاذيب إلى الأبد وفي لحظة فارقة انكسر السقف القديم ، انكسر بقوة الواقع، بوضوح الحرب، وبصرخة أولئك الذين ظلوا مهمشين في كل طاولة، ومغيبين عن كل نص.
قبل 15 أبريل لم يكن الانتماء السياسي في السودان سوى حيلة نفسية جماعية؛ انخراط بلا أفق، وتماهي مع تنظيمات تهرب من الإجابات الكبرى وتعيد إنتاج الأوهام ، كان الشباب ينتمون لأن لا خيار آخر، لا لأنهم يؤمنون حقاً ، انتماءات حزبية سطحية، بلا مشروع، بلا تمثيل حقيقي، أشبه برقص بلا موسيقى.، أما الحركات، فقد تعفنت في دهاليز الخرطوم، وأُفرغت من جوهرها المقاوم حين باتت تدار عن بُعد من صالونات المركز.
ثم جاءت اللحظة التي أعادت توزيع المعاني ، اندلعت حرب لم تكن من اختيار من خاضوها من الDM ، لكنها فجرت كل المسكوت عنه ، في هذه الحرب وجد كثير من الشباب والتيارات المقموعة أنفسهم لا في خطاب أحزابهم القديمة، بل في الميدان الذي فُتح لهم بلا وصاية ، الDM الذي وُضع في خانة العداء من قِبل نخب المركز، لم يطرح مشروعاً مفروضاً، بل ترك المساحات مفتوحة، ليُنتج الناس مشروعهم بأيديهم، كل حسب بيئته، وحلمه، وموقعه في خريطة الظلم ، للمرة الأولى لم يكن الهامش يُقاد، بل كان يقود، يتحدث، يُنظِر، ويقاتل من أجل ما يراه صواباً.
لقد ظل المركز لعقود يحتكر تمثيل السودان، ويتحدث باسمه وكأن لا أحد سواه يحق له التفكير أو التقرير ، صُورت الوطنية وكأنها امتياز يُمنح عبر الولاء للنخبة، لا عبر التضحية والموقف ، وظلت أصوات دارفور وكردفان والنيل الأزرق تُقصى أو تُختصر في رموز يتم توظيفها وفق الحاجة من ذوات الترميز التضليلي ، لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن التمثيل لا يُمنح، بل يُنتزع ، لم يعد بالإمكان بعد الآن الادعاء بأن “المركز يعرف الأفضل”، فقد جاءت الحرب بأكثر اللحظات صدقًا من يقاتل هو من يقرر، ومن يدفع الثمن هو من يكتب المصير.
لهذا لم يكن غريباً أن تنضم الحركات السياسية المهمشة إلى هذا المعسكر ليس لأنهم اختاروا الحرب، بل لأنهم وجدوا فيه صوتاً استمع إليهم، لا قوة تنزل عليهم بالقرارات الجاهزة ، لقد تحرروا من عقدة التبعية، وتجاوزوا لحظة استجداء الشرعية من نخبة لم ترى فيهم إلا أرقاماً إضافية في معادلات السلطة.
لم يعد الانتماء فعلاً تنظيمياً، بل بات موقفاً أخلاقياً وسياسياً يتجلى في خنادق القتال وفي مواقف الرفض والصمود ، لم يعد الشاب ينتظر خطاب الحزب، بل يصنع خطابه ويقدمه للناس وهو مغموس بحقيقة التجربة ، ال DM لم يُقدم للشباب بنية جاهزة، بل قدم لهم فرصة أن يكونوا بناة حقيقيين ، هنا ظهر الفرق بين مشروع يسمح بالتعدد والتفكير من القاعدة، ومشروعات قديمة ما تزال تؤمن بالإملاء من الأعلى ، هكذا تغير المعنى نفسه لم نعد أمام انتماء تنظيمي، بل أمام انتماء إلى المعنى، إلى الأرض، إلى الكرامة، وإلى المشروع الذي يرى الجميع لا بعضهم.
الدول الخارجية كذلك بدأت تدرك شيئً لم يكن واضحاً من قبل هناك مشروع حقيقي يتشكل في السودان، مشروع يجد فيه أبناء دارفور وكردفان للمرة الأولى انعكاساً لطموحاتهم الوطنية، لا مجرد دور ثانوي في مسرحية الخرطوم ، وهكذا تهاوى الانتماء الزائف.، كل ولاء لما قبل 15 أبريل، لم يكن إلا خداعاً ناعماً، أما بعد ذلك التاريخ، فقد بدأ الانتماء الحقيقي يُكتب بالدم، ويُصاغ بالفعل، لا بالكلمات المحنطة.
في لحظة انكسر فيها السقف القديم، لم تسقط فقط البنية السياسية القديمة، بل ارتفعت عيون الهامش إلى السماء، ووجدت فيها ما لم تجده في دهاليز الأحزاب مساحة واسعة للتنفس، للحلم، وللكفاح دون وسطاء ، تلك هي لحظة الحقيقة، والبداية التي لن تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه أبداً.
https://www.facebook.com/share/




