رأي

السودان بين فشل النخب وأزمة بناء الدولة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الأمم لا تسقط حين تفتقر إلى الموارد، بل حين تعجز عن تحويل وعيها إلى مؤسسات

ليست أزمة السودان في فقر الأرض، ولا في غياب الموارد، ولا حتى في ندرة الأفكار. فهذه البلاد التي تتوسط أفريقيا وتملك واحداً من أكثر المجتمعات تنوعاً وغنىً بالموارد البشرية والطبيعية، لم تكن عاجزة عن النهوض بقدر ما كانت أسيرة لعقل سياسي وثقافي أخفق في تحويل الإمكانات إلى مشروع وطني. والمأساة الكبرى أن هذا الإخفاق لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكم طويل شاركت فيه نخب سياسية وثقافية ظلت تتحدث باسم الوطن بينما كانت، في كثير من الأحيان، تعمّق أزماته بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لقد تحولت النخب السودانية، عبر عقود طويلة، من قوة يُفترض أن تقود المجتمع نحو الحداثة وبناء الدولة، إلى جزء من بنية الأزمة نفسها. فبدلاً من إنتاج مشروع وطني جامع، انشغلت بصراعات السلطة، وأعادت إنتاج الانقسامات، ورسخت مركزية سياسية واقتصادية جعلت الدولة تبدو وكأنها ملكٌ لمناطق وفئات محددة دون غيرها. وهكذا نشأ السودان الحديث وهو يحمل داخله اختلالاً عميقاً بين المركز والهامش، بين من يملكون حق القرار ومن يُطلب منهم فقط دفع تكلفة هذا القرار.

إن أخطر ما فعلته النخب ليس فقط احتكار السلطة، بل احتكار تعريف الوطن نفسه. فقد جرى تصوير السودان، لعقود، بوصفه امتداداً لثقافة واحدة ورؤية واحدة ومركز واحد، بينما جرى التعامل مع بقية الشعوب والثقافات باعتبارها أطرافاً تحتاج إلى “الدمج” أو “التطويع”. ومن هنا بدأ التهميش بوصفه سياسة لا مجرد نتيجة. تهميش في التنمية، والتعليم، والخدمات، والتمثيل السياسي، وحتى في السردية الوطنية ذاتها.

ولأن الدولة أُديرت بعقل الهيمنة لا بعقل الشراكة، تحولت مؤسساتها إلى أدوات لحماية الامتيازات بدلاً من حماية المجتمع. فالدولة التي يُفترض أن تكون إطاراً جامعاً للمواطنين أصبحت في كثير من الأحيان أداة لإعادة توزيع النفوذ لصالح النخب المركزية. ومع الزمن، تراكم الغضب في الأطراف، وظهرت الحروب، وتآكل الإحساس بالانتماء الوطني، حتى صار سؤال الهوية أخطر من سؤال التنمية نفسه.

غير أن الأزمة لا تتوقف عند الداخل فقط، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة التي ربطت بعض النخب السودانية بالخارج. فبدلاً من بناء قرار وطني مستقل، ظل جزء من هذه النخب يتحرك داخل دوائر التأثير الإقليمي والدولي، باحثاً عن الحماية أو الشرعية أو الدعم السياسي. وهكذا أصبحت الإرادة الوطنية مرهونة بحسابات الخارج، وفقدت الدولة قدرتها على صياغة مشروعها بصورة مستقلة.

ولعل أحد أكثر الأمثلة تعقيداً في هذا السياق هو طبيعة العلاقة التاريخية مع مصر، حيث جرى، في أحيان كثيرة، توظيف قطاعات من النخب السودانية داخل رؤية سياسية تعتبر السودان مجالاً تابعاً لا شريكاً كاملاً. والمشكلة هنا ليست في العلاقات بين الدول، فالتعاون الإقليمي ضرورة، وإنما في غياب النخبة الوطنية القادرة على إدارة تلك العلاقة من موقع الندية والمصلحة المتبادلة، لا من موقع التبعية أو الارتهان.

لكن رغم كل هذا التعقيد، فإن الأزمة السودانية ليست قدراً أبدياً. فالأمم لا تنهض لأنها بلا أخطاء، بل لأنها تمتلك الشجاعة للاعتراف بها. والاعتراف الحقيقي يبدأ بفهم أن المشكلة ليست فقط في الأشخاص، بل في طريقة التفكير التي حكمت الدولة لعقود. لقد ظل السودان غارقاً في “ثقافة التشخيص”؛ الجميع يتحدث عن الأزمة، يفسرها، يلعنها، ويكتب عنها، لكن القليل فقط يسأل السؤال الحاسم: كيف ننتقل من الوصف إلى الفعل؟

إن بناء الدول لا يتم بالشعارات، بل بالمؤسسات. ولا يتحقق عبر الخطب العاطفية، بل عبر التخطيط والسياسات العامة. فالدولة الحديثة ليست فكرة رومانسية، وإنما قدرة عملية على إدارة الموارد، وفرض القانون، وتوزيع الفرص بعدالة، وبناء تعليم ينتج المهارة لا الحفظ، واقتصاد يحفز الإنتاج لا الريع، ومؤسسات تمنح المواطن شعوراً بأن الوطن ملك للجميع.

ومن هنا فإن النهضة الحقيقية في السودان تبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. المواطن ليس تابعاً للسلطة، بل شريك في صناعة القرار والثروة والمستقبل. ولا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح ما لم تعترف أولاً بالتهميش التاريخي وتعالجه بصورة عادلة وشجاعة، عبر إعادة توزيع التنمية والسلطة والموارد على أساس المواطنة لا الامتيازات التاريخية.

كما أن أي مشروع وطني جاد يجب أن يقوم على بناء جيش مهني قومي ومؤسسات مدنية مستقلة، بحيث تصبح الدولة فوق الجماعات، والقانون فوق النفوذ، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. فالدول لا تُبنى بالتحالفات المؤقتة، بل بعقد اجتماعي يشعر فيه الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات.

لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس الفقر وحده، بل العجز عن تحويل الوعي إلى قدرة. والسودان اليوم يقف أمام هذه اللحظة الحاسمة: إما أن يظل أسير النخب القديمة وخطابها العاجز، أو أن يبدأ الانتقال الحقيقي نحو دولة الفعل، دولة تُقاس بالكفاءة لا بالشعارات، وبالعدالة لا بالهيمنة، وبالمستقبل لا بالماضي.

وحين يدرك السودانيون أن النهضة ليست خطاباً يُقال بل مشروعاً يُبنى، عندها فقط يمكن لهذا الوطن المُثقل بالحروب والتهميش أن يخرج من دائرة الإنهاك، وأن يبدأ كتابة فصل جديد من تاريخه، فصل تكون فيه الدولة أداة لتحرير الإنسان لا لإعادة إنتاج أزماته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!