رأي

صهيل الخيل : مفهوم التنمية السياسية الحديثة”1- 2″

د. عبدالمجيد عبدالرحمن أبوماجدة

إنّ مفهوم التنمية السياسية من المفاهيم الجديدة و التي يصعب الإجماع على ضبط “إيقاعاتها” أو تحديد تعريف محدد لها وذلك لعدة اعتبارات من أبرزها :

أولاً : حداثة مفهوم التنمية السياسية النسبي إذ ظهر علمياً عقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية على إثر توجه الاهتمامات العلمية لدراسة وتقنين قضية تشكيل المجتمعات الناشئة حديثاً في دول ما أطلق عليها اصطلاحا بدول “العالم الثالث”

ثانيًا : هو أنّ هذا المفهوم في الحقيقة مركب من مصطلحين أو مفهومين اثنين وفي ضوء ذلك تبرز صعوبة محاولات تعريف مفهوم التنمية السياسية .

كما تعد التنمية السياسية مفهوم شديد الغموض لأكثر من سبب :

أولاً : لأنه كثيراً ما يقع الخلط بينه وبين مفاهيم أخرى قريبة منه وربما رآها البعض مرادفة له مثل التحديث السياسي والانفتاح السياسي والإصلاح السياسي والانتقال السياسي والديمقراطية وهلم جرا .

ثانيا : لأنه يضم مفاهيم فرعية غامضة بدورها كالمفاهيم السياسية والإيديولوجية والأخلاقية والفلسفية وهذه كلها تعتبر غير قابلة للقياس الدقيق والملاحظة العلمية مثل العدل والمساواة والقدرة والتحول في المسار السياسي وغيرها .

ثالثا : غموض المفهوم أكثر من غيره بحيث تعدد التعاريف التي وضعت للتنمية السياسية واختلافها وجزئياتها أحياناً وعموميتها وتجريدها في أحيان أخرى .

إنّ مفهوم التنمية السياسية يشير إلى:

إقامة الأبنية التي تسمح بالمشاركة الشعبية في العملية السياسية وخلق جهاز إداري قادر على التنفيذ الفاعل للسياسات الإنمائية وتلبية مطالب المواطنين وبناء الديمقراطية بما تتضمنه من إنشاء المؤسسات السياسية والحزبية وخلق ثقافة سياسية تؤكد على الولاء الوطني وتفتح الآفاق إلى التعددية الحزبية .

إنّ التنمية السياسية هي عملية تغيير إجتماعي “جذري” متعدد الجوانب تهدف إلى إيجاد نظم تعددية تحقق النمو الاقتصادي والمنافسة السياسية والمشاركة الانتخابية على قاعدة ترسيخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة وحكم سيادة القانون وذلك ضمن معايير هي :

أولها : تحديد هوية المجتمع بحيث يكون مجتمعاً سياسياً متماسكاً تحكمه هوية مشتركة وانتماء لنظام سياسي وثقافة سياسية تستوعب كل الأطياف في إطار وطني .

ثانيها : تحقيق الشرعية بحيث يكون المجتمع منسجماً مع النظام السياسي ويحقق له هذا النظام العدالة في توزيع الأدوار والمكاسب .

ثالثها : المشاركة السياسية بحيث يحقق النظام السياسي المشاركة من خلال القنوات المناسبة وأنْ تكون المشاركة في الحياة السياسية مستمرة وفعالة وحرة ويشعر المواطن أنه جزءاً أساسياً في البناء السياسي للدولة .

رابعها : التوزيع العادل للمزايا والمكاسب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كمحصلة لعملية المشاركة.

“2”

إنّ مفهوم التنمية السياسية يقاس بالعديد من المظاهر والمؤشرات بدءاً ببناء مؤسسات الدولة الحديثة ونظام الفصل بين السلطات الثلاثة وهي ” التشريعية والتنفيذية والقضائية” والمشاركة الفاعلة في مختلف مستويات التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بحيث “المشاركة في صنع القرار” والذي يعد أهم المؤشرات للتنمية السياسية الحديثة .

كذلك خلق جهاز قادر على تنفيذ السياسات الإنمائية وممارسة الحق في التصويت والترشيح للمناصب العامة وسيادة حكم القانون وحرية الأحزاب وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني المنبثقة من القواعد .

فالمطلوب في المجتمعات الديمقراطية أن تمثل التنمية السياسية فهماً وممارسةً دون قيدٍ او شرط .

فالمجتمعات التي تعيش مظاهر التنمية السياسية هي مجتمعات ديمقراطية .

فقد عرّف التنمية السياسية “جيمس كولمان“ بأنها “ذات منظور ثلاثي الاضلاع” :

1- المنظور التاريخي : التنمية عملية تاريخية يمكن التوصل إلى مراحلها بتتبع تاريخ المجتمعات الأوروبية .

2- المنظور النمطي : في ضوء الثنائيات “التقليد مقابل الحداثة والصناعة مقابل الزراعة” .

3′ المنظور التطوري : عملية دائمة بدون نهاية ويمثل المجتمع الأوروبي قمة تطورها اليوم .

أما المفكر الامريكي “صموئيل هنتنغتون” فقد ربط التنمية السياسية بمحاولة المجتمع الرامية إلى تحقيق شكل من أشكال الوحدة السياسية ورأى أنّ “مفهوم التنمية السياسية” يختلف عن بقية المفاهيم الأخرى مثل “الحداثة والتصنيع” ويسوق هنا ابرز الامثلة كدولة الهند مثالاً لذلك فهي من ناحية مجتمع “تقليدي” ومن الناحية الإقتصادية والإجتماعية ومن جهة أخرى تعد دولة الهند بلداً متطوراً من الناحية السياسية باعتبارها أكبر بلد ديمقراطي في العالم .

إنّ دولة الهند التي يبلغ عدد سكانها اليوم “1.400.000” مليار واربعمائة مليون نسمة وفيها تعدد ديني وإجتماعي فيها اكثر من ثمانين ديانة وآلهة ولكنهم كمجتمعات تعيش في ظل القوانيين التي يحترمها الجميع .

فيرى “صموئيل هنتغون” بأنّ التنمية السياسية فيها تتحقق عند توافر ثلاث عوامل هي :

1- ترشيد السلطة بمعنى التداول على أساس القانون والدستور و التمايز .

2- التخصص بمعنى تنوع الوظائف وإيجاد أبنية متخصصة .

3- المشاركة السياسية من جانب المواطنين .

اما “جيمس كولمان” فقد قدم ثلاثة منظورات لتحديد معنى التنمية السياسية يتعلق أولها :

1- المنظور التاريخي والذي يرى أنّ عملية التنمية عملية تاريخية يمكن التوصل إلى مراحلها وخطواتها عن طريق تتبع تاريخ المجتمع الأوروبي .

2- المنظور الثاني : هو المنظور النمطي والذي ينظر إلى التنمية في ضوء الثنائيات “تقليدي و حديث زراعة وصناعة”

3- المنظور الثالث : فيتعلق بسيرورة التطور بحيث إنّ التنمية السياسية هي عبارة عن عملية دائمة دون نهاية والمجتمع الأوروبي يمثل قمة تطورها .

اما المفكر العربي “ابن خلدون” فيرى توفر الشروط الضرورية الممكنة لبداية عملية التنمية فرأى أن من أهم تلك الشروط هي : وجود حكومة عادلة ذات سيادة وقوانين مرعية تمنع الظلم وتحفظ للمواطنين حقوقهم وتفسح المجال لآمالهم العرآض .

كما تحدث ابن خلدون أيضاً عن وسائل تحقيق تلك التنمية بحيث يؤكد أنّ “الزراعة والتجارة والصناعة” هي تمثل أوجه المعاش الطبيعية وأنّ المجتمعات تزاول الزراعة أولاً فإذا تقدمت نسبياً أضيفت إليها التجارة فإذا ارتقى عمرانها جمعت إليها النشاط الصناعي الذي يتطور بشكل تدريجي بمرور الزمن .

إنّ المفكر العربي ابن خلدون يرى كذلك أنّ للدولة دوراً كبيراً في تحقيق عملية التنمية والتقدم و يتمثل ذلك في إزالة العقبات أمام نشاط الأفراد وتمهيد السبيل لهم لتحقيق العمران والتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!