عقم النخب وعقيدة الارتياب

نجوي بابو
لا تبدأ فواجع الدول في تاريخ الفلسفة السياسية المعاصرة بقرقعة السلاح وانفلات الآلة العسكرية فحسب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير حين تتحجر العقول السياسية للنخب المدنية، وتصاب بعقم فكري كامل يعجز عن توليد نظريات خلاقة لفك طلاسم الأزمات الوطنية الحَرِجة. وفي المشهد السوداني، تتبدى ذروة البشاعة الفكرية في سلوك بعض القوى السياسية التقليدية التي تحولت من أدوات للتحرر والتغيير إلى حجر عثرة أمام مبادرات السلام ورتق النسيج الاجتماعي؛ حيث باتت هذه النخب تنظر للغير بعين الريبة، وتطلق الأحكام المسبقة والتخوينية ضد كل حراك مدني وقواعدي لا يقع تحت مظلتها المحتكرة. إن هذا التحجر الذهني وعقيدة الارتياب لا يختلفان في جوهرهما الفلسفي عن عقلية العسكر الشمولية فكلاهما يقتات على تصفير الآخر، ومصادرة الحق في الفعل، والتمترس خلف الامتيازات الحزبية الضيقة على حساب كرامة الإنسان وسيادة الوطن فوق كل تضليل.
من الناحية القانونية والدستورية، تسقط أطروحات هذه النخب المدنية في فخ غياب الشرعية الأخلاقية والجدارة السياسية فالقيمة العليا لأي سلطة مدنية تكمن في قدرتها على بسط الأمن الوقائي وحماية العقد الاجتماعي. غير أن شواهد الواقع تثبت أن هذه القوى المدنية فرطت تفريطاً تاريخياً في الأمانة الوطنية؛ فلم تحمِ الشعب من الانزلاق إلى مستنقع الحرب الكارثية، ولم تملك الشجاعة لتفكيك خطاب الكراهية الذي تبثه أجهزة الدولة العميقة وجماعات البلابسة، بل وقفت عاجزة عن توفير أدنى مقومات العون الإنساني المرفقي لملايين النازحين واللاجئين الذين يفتقدون لأبسط مقومات الحياة كالمأكل والمشرب والعلاج في حين انشغلت هي بمؤتمراتها الفوقية في عواصم المنافي. إن هذا العجز البنيوي يمثل انتهاكاً غير مباشر للمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ويجرّد تلك الكيانات من صفة الممثل الشرعي لتطلعات الشارع، بعد أن استهلكت تفويض ثورة ديسمبر العظيمة في محاصصة الحقائب الوزارية الضيقة والمكاسب النخبوية المعزولة عن أنين المجتمعات الحية.
وأمام هذا الفراغ الإنساني الميداني وعقم النظريات السياسية الفوقية، يبرز السؤال الوجودي الحاسم حول ما إذا كانت هذه الكيانات المتحجرة جديرة بقيادة التغيير وصياغة مستقبل البلاد، أم أن الشعب السوداني موعود بمسلسل استغلال جديد يُنتج على حسابه المأساوي إن الجواب التفاوضي الرصين يفرض الانتقال الفوري نحو شرعية الأرض والإنتاج، حيث لم تعد إرادة الشارع تراهن على التنظير الحزبي المعزول، بل باتت الجدارة الفعلية من حق القوى المدنية الشابة، والمرأة ،ولجان الطوارئ المحلية، والإدراك الأهليه والتكنوقراط المستقلين الذين أداروا اقتصاد الصمود في الميدان وشيّدوا التكايا لإطعام النازحين وعملوا وسط مجتمعات النزوح واللجوء وفي المدن النائية والفرقان في أصعب الظروف لحماية المواطن من الجوع والعطش وقفوا سد منيع أمام سلاح الابتزاز البيروقراطي لسلطات الأمر الواقع. إن هؤلاء الفاعلين الحقيقيين، المستندين إلى مواثيق الشرف الأهلي وإيجاد الحلول المناسبة للبنية المجتمعية، هم وحدهم الجديرون بقيادة الوفاق، وكسر حبال الابتزاز، ووضع حد لهذا العبث الدستوري لبناء سودان الحرية والمواطنة بلا تمييز.




