رأي

السودان: سيناريوهات الحرب والسلام بين تشظي الداخل وتعقيدات الخارج

نجم الدين دريسه

يصعب ـ في ظل المشهد السوداني الراهن ـ الجزم بمآلات الحرب أو رسم سيناريو دقيق لمسارها، خصوصًا بعد اتساع رقعة المواجهات المسلحة لتشمل معظم الجغرافيا السودانية. هذه الحرب لم تعد صراعًا تقليديًا بين قوتين متنافرتين، بل تحولت إلى معركة معقدة تُهدد ما تبقى من وحدة السودان وتُجهز على نسيجه الاجتماعي الذي كان في الأصل هشًا وممزقًا. والمؤسف أن أي أفق للحل لا يزال غائبًا، بل إن مؤشرات الانفراج تزداد تواريًا، مما يفتح الباب واسعًا أمام سيناريوهات الفوضى والانهيار.

لقد أثبت الجيش السوداني، وهو مؤسسة نشأت في رحم الاستعمار وظلت منذ الاستقلال عرضة للاختراق الأيديولوجي والإقليمي، عجزه البنيوي عن أن يكون ضامنًا للسيادة الوطنية أو حارسًا للدولة المدنية. بل في واقع الأمر، بات الجيش نفسه أكبر الميليشيات في القارة الإفريقية، مثقلًا بتركة ثقيلة من جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهو اليوم متهم بتقويض الاقتصاد الوطني، ومصادرة إرادة الشعوب السودانية، ووأد أحلامها في العدالة والمساواة.
والأخطر من كل ذلك أن القرار العسكري بات مرتهنًا لمجموعات عقائدية متطرفة، تمثل امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين، وتخضع لتوجيهات استخباراتية مصرية تسعى لاستخدام السودان كساحة لتوسيع نفوذها. هذه الحقيقة تجعل أي حديث عن جيش وطني مجرد وهم، وتُعيد تشكيل تعريف “الجيش” في السودان على نحو يستدعي المراجعة الجذرية.

في المقابل، تبدو القوى المدنية والسياسية عاجزة عن لعب دور حاسم، بسبب الانقسامات العميقة بينها، والتشظي الاجتماعي الذي انعكس عليها. وحتى المحاولات الخجولة لبعض الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، لم تُحدث أثرًا ملموسًا في مسار الأزمة، الأمر الذي كرّس الطابع الأهلي للحرب، وجعلها تُستهدف جماعات بعينها، في مناطق بعينها، بذريعة الاصطفاف مع طرف من أطراف النزاع، خصوصًا الدعم السريع.
الأخطر في تطورات هذه الحرب هو ما تم توثيقه من استخدامٍ لأسلحة محرمة دوليًا، بما في ذلك الأسلحة الكيمائية، ضد مدنيين عُزّل في مناطق يُزعم أنها حاضنات للدعم السريع. وهذه ممارسات ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، وتُنذر بمزيد من التمزق في النسيج الوطني، وتجعل أي مشروع للمصالحة أمرًا بعيد المنال في ظل استمرار الانتهاكات.

سيناريوهات محتملة للمستقبل:
في ضوء غياب أي مؤشرات حقيقية على وقف الحرب، واستمرار تعنت قيادة الجيش المخطوفة بيد الإسلامويين، فإن المستقبل مفتوح على أربعة سيناريوهات رئيسية:

1. استمرار الحرب وتفاقم الانهيار:
وهو السيناريو الأسوأ، حيث يواصل طرفا النزاع التصعيد الميداني دون أفق للحل، مما يؤدي إلى مزيد من التشظي، وربما تفكك السودان إلى كيانات جهوية أو إثنية متناحرة. هذا السيناريو قد تُعززه معادلات دعم خارجي غير متوازن، أو غياب ضغط دولي جاد.
2. تدخل خارجي لفرض وقف إطلاق نار:
في ظل انسداد الأفق الداخلي، قد يتحرك المجتمع الدولي، وتحديدًا الرباعية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات)، لفرض تسوية سياسية قسرية، تُنهي الحرب مؤقتًا، دون معالجة جذورها البنيوية. هذا السيناريو مرهون بتوافق مصالح اللاعبين الإقليميين، وخاصة إذا ما تزايدت مخاوفهم من انفلات الوضع الأمني والإنساني أكثر.

3. اتفاق مؤقت بين الجيش والدعم السريع:
وهو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب، حيث يتم التوصل لاتفاق هدنة أو وقف دائم لإطلاق النار، بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، والدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). غير أن هذا السيناريو سيواجه تحديات كبيرة، من أبرزها موقف الرباعية الرافض لإعادة تدوير الإسلاميين في المشهد السياسي، باعتبارهم العقبة الرئيسية أمام تحول ديمقراطي حقيقي.

4. عملية سلام طويلة الأمد تقودها وساطة دولية:
وهو السيناريو المأمول، وإن بدا الأبعد، ويتمثل في الدخول في مفاوضات سياسية شاملة تُفضي إلى إعادة هيكلة الدولة السودانية، وإخراج الجيش من العملية السياسية بالكامل، مع تفكيك المليشيات، وتأسيس عقد اجتماعي جديد. هذا السيناريو يتطلب دعمًا دوليًا وإقليميًا متماسكًا، وإرادة داخلية قوية من القوى الثورية، وقبولًا شعبيًا واسعًا.

في جميع هذه السيناريوهات، يظل العامل الخارجي ـ للأسف ـ هو الأكثر تأثيرًا، نتيجة غياب الإرادة الوطنية الجامعة، وتفتت المؤسسات، واستحواذ جماعات دينية على القرار السيادي والعسكري. كما أن التدهور المريع في الوضع الإنساني سيُجبر الفاعلين الدوليين على التدخل، ليس حبًا في السودانيين، ولكن درءًا للفوضى في منطقة ذات حساسية جيوسياسية عالية.

وفي الخلاصة، فإن الحرب في السودان لم تعد مجرد معركة على السلطة، بل باتت اختبارًا وجوديًا لبقاء الدولة نفسها. والخروج من هذا النفق يتطلب ما هو أكثر من وقف إطلاق النار؛ يتطلب تفكيك بنية الاستبداد، واستعادة القرار الوطني، ومساءلة المجرمين، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تُعبر عن كل السودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!