

مرت أشهر على تعيين الدكتور كامل إدريس رئيساً لوزراء ما سُمِّيت بـ”حكومة الأمل” في بورتسودان، دون أن يرى السودانيون من الأمل إلا اسمه، ومن الحكومة إلا وزراء يُعلن عنهم بالتقسيط، في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية والبيروقراطية التي تعاني منها البلاد.
جاء التعيين في لحظة مفصلية حاول فيها الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان إضفاء طابع مدني على سلطته، بعد عامين من حرب مدمّرة مع قوات الدعم السريع، غير أن الحكومة المعلنة لم تحظَ بأي تفويض شعبي أو شرعية سياسية، ولا حتى بمكان حيوي يمكّنها من إدارة شؤون البلاد، فبورتسودان التي أُعلنت عاصمة مؤقتة، لا تملك مقومات العاصمة، ولا تعبّر عن تمثيل وطني جامع.
منذ إعلانها، لم يكتمل تشكيل الحكومة، بل بدت وكأنها تخضع لعملية تجزئة داخل مطبخ معقد من المحاصصات والترضيات السياسية داخل ما يُعرف بتحالف بورتسودان. يتم الإعلان عن الوزراء على دفعات، دون رؤية موحدة أو برنامج معلن، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية، وتنهار فيه الخدمات الأساسية، وتتشظى فيه الدولة إلى سلطات أمر واقع. لم تقدّم حكومة إدريس حتى الآن أي خطة واضحة للتعامل مع الحرب، ولا للمصالحة الوطنية، ولا لإنعاش الاقتصاد المنهار، ولم تستطع تحسين الأوضاع حتى في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، حيث تتراجع الخدمات الصحية، وتنقطع الكهرباء والمياه، وتفشل مؤسسات الدولة في أداء الحد الأدنى من واجباتها.
صورة الدكتور كامل إدريس، التي كانت محاطة بهالة دولية حين عمل في منظمات كبرى مثل الويبو، تتآكل اليوم أمام السودانيين، الذين كانوا يتوقعون منه شخصية قوية قادرة على إدارة الأزمة بروح وطنية، لا شخصية مترددة، تكتفي بإدارة حكومة رمزية بلا سلطة حقيقية. مما أضعف رصيده السياسي الرمزي، وجعل منه في نظر الكثيرين مجرد غطاء مدني لتحالف عسكري–هش، لا يمتلك أدوات الحكم ولا إرادة التغيير.
في ظل هذا العجز، تبدو احتمالات بقاء هذه الحكومة محدودة، ما لم تُحدث تحوّلاً حقيقياً في مقاربتها للواقع. تفكك الحكومة يبدو وشيكاً مع استمرار التوترات داخل تحالف بورتسودان، وصعود قوى بديلة على الأرض تطرح مشاريع منافسة. كما أن إعلان قوات الدعم السريع عن تشكيل سلطة موازية يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من فكرة “الحكم الموحّد” وهماً بعيد المنال.
السودان في حاجة ماسة إلى عقد سياسي جديد لا إلى حكومة تصريف شعارات. التجربة القصيرة لحكومة كامل إدريس تُظهر أن الرهان على الوجوه لا يغني عن امتلاك مشروع، وأن الشرعية لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع من تحت، من الشارع، ومن الناس، ومن قدرة الحكومة على الفعل لا على التوصيف. في ظل هذا الواقع، فإن ما سُمّي بـ”حكومة الأمل” بات يترنح بين الشلل والعزلة، في بلد يتآكل كل يوم وينتظر من يملك الشجاعة لإعادة بنائه لا التلويح باسمه.



