الخرطوم بعد العودة : بين ثلاثية الأمن والجوع والبطالة

الخرطوم: التنوير
لم تعد الخرطوم مدينة خالية كما كانت خلال سنوات الحرب، فالأسر بدأت تعود إلى أحيائها ومنازلها، وبعض الأسواق بدأت تستعيد شيئاً من نشاطها، فيما يحاول السكان إعادة بناء حياتهم من جديد.
لكن العودة إلى العاصمة لا تعني عودة الحياة الطبيعية كما كانت قبل الحرب..
فخلف مشهد الأسر التي تفتح أبواب منزلها بتوجس بعد غياب طويل ، هناك مدينة ما زالت تواجه أزمات متشابكة؛ أمنية واقتصادية وخدمية وصحية وبيئية، فيما تبدو مشكلة البطالة، خصوصاً وسط الشباب، واحدة من أخطر التحديات التي يمكن أن تواجه العاصمة في مرحلة ما بعد الحرب.
وتشير تقارير حديثة إلى أن نحو مليوني شخص عادوا إلى منازلهم في الخرطوم خلال عام 2026، في وقت لا تزال فيه الكهرباء تعمل بنحو نصف طاقتها قبل الحرب، وهو ما يكشف الفجوة بين «العودة» و«التعافي».
العودة ولكن أي حياة؟
يقول أحد العائدين إن الأسرة لم تكن تملك رفاهية الانتظار حتى تصبح الخرطوم مثالية.
«رجعنا لأننا مررنا بظروف قاسية و نريد بيتنا، لكن الرجوع إلى البيت شيء والقدرة على العيش فيه شيء آخر».
فالمنازل التي عاد إليها السكان ليست جميعها صالحة للسكن بصورة كاملة، وبعضها يحتاج إلى إصلاحات كبيرة، فيما فقدت أسر أخرى أثاثها وممتلكاتها خلال الحرب.
لكن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى كثير من الأسر هي السؤال الذي يبدأ بعد فتح باب المنزل:
من أين يأتي الدخل؟
مصانع متوقفة واقتصاد يبحث عن نفسه
كان القطاع الصناعي واحداً من أكبر مصادر الوظائف في العاصمة، خصوصاً في الخرطوم بحري والمناطق الصناعية المحيطة بها.
لكن الحرب تركت القطاع الصناعي في وضع بالغ الصعوبة حيث تعرضه بعضه للقصف وتشير تقارير اقتصادية إلى أن القطاع الصناعي السوداني تعرض لخسائر ضخمة خلال الحرب، بينما تواجه المصانع التي تحاول العودة إلى العمل مشكلات في الكهرباء والمعدات والبنية التحتية وسلاسل الإمداد إضافة إلى الجبايات التي تفرضها الحكومة.. .
وفي الخرطوم بحري، تعرضت منشآت صناعية ومرافق اقتصادية لأضرار واسعة خلال العمليات العسكرية، فيما أصبحت إعادة تشغيل المصانع مرتبطة ليس فقط بإعادة تأهيل المباني، وإنما بإعادة توفير الكهرباء والمياه والتمويل والمواد الخام والأسواق الآمنة.
وتقول مصادر من القطاع الصناعي إن إعادة تشغيل المصانع لن تكون قراراً مفروشا بالورود ، لأن بعض المنشآت فقدت المعدات والمخازن وخطوط الإنتاج، فيما تحتاج منشآت أخرى إلى استثمارات كبيرة قبل أن تعود إلى الإنتاج.
وهنا تظهر مشكلة الشباب بصورة أكثر وضوحاً.
فالشاب الذي كان يعمل في مصنع قبل الحرب لا يستطيع بالضرورة العودة إلى وظيفته بمجرد عودته إلى منزله، لأن مكان العمل نفسه قد يكون متوقفاً أو متضرراً أو عاجزاً عن استئناف الإنتاج.
«عدت إلى بيتي.. لكن لم أعد إلى عملي»
يقول الشاب عثمان عبد الله كان يعمل قبل الحرب في قطاع صناعي، إن عودته إلى الخرطوم لم تعنِ عودته إلى العمل.
مضيفا «وجدت البيت، لكن لم أجد الوظيفة. المصنع الذي كنت أعمل فيه لم يعد كما كان، والبحث عن عمل جديد صعب جداً».
ويضيف:
«نحن جيل كامل ضاعت منه سنوات. كنا نخطط لمستقبلنا، الآن أصبح هدفنا أن نجد أي عمل يوفر لنا مصاريف اليوم».
الأمن.. الشرط الأول لأي عودة
ولا يمكن الحديث عن عودة مستقرة من دون التوقف عند الوضع الأمني.
فالعاصمة الخارجة من حرب طويلة لا تزال تحتاج إلى استعادة الإحساس بالأمان، وإزالة مخلفات الحرب، وضبط السلاح، والتعامل مع المظاهر العسكرية داخل الأحياء والمناطق السكنية.
ويقول أحد سكان الخرطوم إن المواطن الذي يعود إلى منزله يريد أن يشعر بأن المنزل أصبح مرة أخرى ملكاً لعائلته ومكاناً آمناً للعيش، لا مساحة تتقاطع فيها المصالح العسكرية والمدنية.
ويشير سكان إلى وجود مواقع ومنازل ومنشآت لا تزال يقطنها عسكريون ، وهو ما يمثل تحدياً أمام عودة بعض الأسر إلى مساكنها.
وفي هذا السياق، فإن قضية استعادة الملكية المدنية للمنازل والمرافق الخاصة والعامة تصبح جزءاً من عملية التعافي، خصوصاً بالنسبة للأسر التي تجد نفسها غير قادرة على العودة إلى منازلها بسبب وجود جهات مسلحة أو عسكرية فيها.
الكهرباء والمياه.. عودة بلا خدمات
حتى الأسر التي استطاعت العودة تواجه مشكلة أخرى: الخدمات الأساسية.
الكهرباء ما زالت غير مستقرة، وهو ما ينعكس مباشرة على الحياة المنزلية وعلى النشاط الاقتصادي.
وتشير بيانات حديثة إلى أن إنتاج الكهرباء في السودان انخفض بصورة كبيرة مقارنة بما قبل الحرب، مع انقطاعات طويلة تؤثر في المنازل والمصانع والمحال والورش.
ولا تقف المشكلة عند الكهرباء.
فالمياه تمثل تحدياً آخر في مناطق عديدة، بينما تواجه الخدمات الصحية ضغوطاً كبيرة بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية الصحية ونقص الأدوية والكوادر والتمويل.
وبالنسبة للعائدين، فإن الأسرة لا تستطيع بناء حياة مستقرة إذا كان الحصول على مياه الشرب أو الكهرباء أو العلاج يتحول إلى معركة يومية.
الغلاء يأكل ما تبقى من الدخل
وإذا كان العثور على وظيفة صعباً، فإن الاحتفاظ بالدخل يمثل مشكلة أخرى بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.
فالعائد الذي يحتاج إلى إصلاح منزله وشراء احتياجاته الأساسية وإعادة أطفاله إلى المدارس وتأمين الغذاء والمواصلات والعلاج، يجد نفسه أمام قائمة طويلة من المصروفات.
ويقول أحد الشباب:
«حتى لو وجدت عملاً براتب بسيط، لا أعرف هل يكفي لتغطية إيجار أو مواصلات وطعام وعلاج واحتياجات الأسرة».
وهنا تتحول البطالة من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة اجتماعية، لأنها تؤثر في الزواج والاستقرار الأسري والتعليم والهجرة، وقد تدفع بعض الشباب إلى أعمال غير مستقرة أو خطرة
الشباب والفراغ.. الخطر الصامت
من أخطر نتائج البطالة، وفق شهادات سكان وشباب، وجود أعداد كبيرة من الشباب خارج سوق العمل.
فالفراغ الطويل، خصوصاً بعد سنوات من الحرب والنزوح والضغط النفسي، قد يجعل بعض الشباب أكثر عرضة للاستغلال أو الانخراط في سلوكيات ضارة.
ومن بين المخاوف التي تتحدث عنها الأسر انتشار المخدرات.
ولا يعني ذلك أن كل عاطل معرض للتعاطي، لكن وجود أعداد كبيرة من الشباب بلا عمل أو دراسة أو نشاط اجتماعي يمثل بيئة تحتاج إلى تدخل وقائي عاجل.
ويقول شاب من الخرطوم:
«الشاب يحتاج إلى شيء يفعله. عندما يظل طوال اليوم في الشارع بلا عمل ولا دخل، تصبح المشاكل أقرب إليه».
وتحتاج مواجهة المخدرات إلى ما هو أبعد من الحملات الأمنية؛ إذ تشمل توفير فرص العمل والرياضة والأنشطة الثقافية ومراكز الشباب والعلاج والتأهيل، إلى جانب ملاحقة شبكات الترويج.
تلوث بيئي.. ملف لم يُفتح بالكامل
ثمة ملف آخر قد لا يظهر للوهلة الأولى في قصة عودة الأسر، لكنه يمثل خطراً طويل الأمد: التلوث البيئي.
فالحرب خلفت حرائق ودماراً في منشآت صناعية ومخازن ومرافق خدمية، إلى جانب تراكم النفايات والركام ومخلفات المباني والمواد التي كانت موجودة داخل المنشآت المتضررة.
ويزداد القلق عندما يتعلق الأمر بالمنشآت الصناعية أو مخازن المواد الكيميائية، لأن آثارها لا تنتهي بانتهاء الحريق أو توقف القتال.
وفي ظل الجدل والتقارير الدولية الحديثة بشأن استخدام مواد كيميائية، من بينها الكلور، خلال الحرب، يصبح من الضروري التعامل مع البيئة في الخرطوم باعتبارها ملفاً يحتاج إلى فحوص علمية مستقلة للمياه والهواء والتربة، وليس مجرد نقاش سياسي.
وهنا تبرز أهمية التحقيق في ما يُثار حول «الكيماوي» بعيداً عن المبالغات أو التهويل، من خلال عينات مخبرية وبيانات صحية واضحة تحدد طبيعة الملوثات ومصادرها وتأثيرها على السكان.
الخرطوم تحتاج إلى خطة عودة.. لا مجرد عودة السكان
عودة الأسر إلى الخرطوم يمكن أن تكون بداية حقيقية للتعافي، لكنها لن تنجح إذا اقتصرت على فتح المنازل.
فالعودة المستدامة كما قال خبير في شؤون السكان تحتاج إلى خمسة شروط أساسية:
الأمن أولاً، ثم الخدمات، ثم العمل والإنتاج، ثم الصحة والبيئة، وأخيراً إعادة بناء الحياة الاجتماعية.
وإعادة تشغيل المصانع يجب أن تكون في مقدمة الأولويات، لأنها توفر الوظائف وتعيد حركة النقل والتجارة والخدمات.
كما تحتاج الخرطوم إلى برنامج خاص لتشغيل الشباب، ودعم المشاريع الصغيرة، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتشجيع أصحاب المصانع على العودة، مع توفير الكهرباء والمياه والتمويل والضمانات الأمنية.
هل عادت الخرطوم فعلاً؟
المشهد الحالي يقول إن الخرطوم تستعيد سكانها تدريجياً، لكنها لم تستعد بعد كل مقومات الحياة.
فالأسرة تستطيع أن تعود إلى منزلها، لكن ماذا تفعل إذا لم تجد ماءً وكهرباء وعلاجاً؟
والشاب يستطيع أن يعود إلى مدينته، لكن ماذا يفعل إذا وجد مصنعه مغلقاً وشركته متوقفة؟
لهذا فإن معركة ما بعد الحرب لن تكون فقط معركة إعادة إعمار المباني، وإنما معركة إعادة بناء الحياة نفسها.
فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى عودة سكانها.
الخرطوم تحتاج إلى عودة العمل، وعودة المصانع، وعودة الخدمات، وعودة الأمن، وعودة الأمل.




