تقارير وتحقيقات

برلين تعيد رسم المشهد السوداني: صعود المدنيين وتراجع العسكر في معادلة الحل

التنوير تقرير ابو عبد الله الراشدي 

 

التنوير تقرير ابو عبد الله الراشدي 

في تطور لافت يعكس تحوّلاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، تحتضن العاصمة الألمانية برلين مؤتمراً دولياً يُنظر إليه بوصفه محطة مفصلية في مسار الحرب التي تدخل عامها الرابع، وسط مؤشرات متزايدة على إعادة ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين، وإبراز دور القوى المدنية كطرف رئيسي في صناعة السلام.

 

ويأتي انعقاد المؤتمر في ظل واقع معقد، حيث تتواصل العمليات العسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، دون قدرة أي طرف على حسم الصراع، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق، مع اتساع رقعة النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية لملايين السودانيين.

تحوّل في المقاربة الدولية: من العسكر إلى المدنيين

أبرز ما يميز مؤتمر برلين هو التحول الواضح في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة، حيث لم تعد الأطراف العسكرية تُعامل باعتبارها الفاعل الحصري في مسار الحل، بل باتت تُنظر إليها كجزء من المشكلة نفسها.

وتشير معطيات الاجتماع التحضيري الذي عُقد في أديس أبابا إلى أن غياب طرفي القتال عن الدعوة ليس أمراً عرضياً، بل يعكس توجهاً مقصوداً لإعادة صياغة المشهد، عبر تمكين القوى المدنية ومنحها مساحة أكبر للتأثير في صياغة مستقبل البلاد.

هذا التحول يعكس إدراكاً دولياً متنامياً بأن الحلول التي تقتصر على تفاهمات بين الأطراف العسكرية لم تعد مجدية، خاصة بعد فشل عدة مبادرات سابقة في وقف إطلاق النار أو إطلاق عملية سياسية مستدامة.

ثلاثة مسارات متوازية: السياسة والإنسانية والمجتمع المدني

ينعقد مؤتمر برلين عبر ثلاثة مسارات رئيسية، تعكس تعددية الأبعاد التي تحكم الأزمة السودانية، وتشمل:

المسار الوزاري: الذي يضم ممثلين حكوميين ودبلوماسيين من الدول المعنية، ويهدف إلى تنسيق المواقف الدولية وتوحيد الجهود السياسية.

المسار الإنساني: الذي يركّز على سبل إيصال المساعدات وتجاوز العقبات التي تعيق وصولها إلى المتضررين.

المسار المدني: الذي يمثل الإضافة الأبرز في هذه النسخة، حيث يشارك فاعلون مدنيون في نقاشات تتعلق بمستقبل الحكم وإعادة بناء الدولة.

ويُنظر إلى هذا التعدد في المسارات بوصفه محاولة لمعالجة جذور الأزمة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها، في ظل قناعة متزايدة بأن الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أزمة دولة شاملة.

حمدوك: لا نصر عسكرياً… والمدنيون مفتاح الحل

في هذا السياق، برزت تصريحات رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الذي اعتبر أن إشراك القوى المدنية في مؤتمر برلين يمثل تحولاً مهماً في التعاطي الدولي مع الأزمة.

وأكد حمدوك أن النزاع في السودان لا يمكن حسمه عسكرياً، مشيراً إلى أن أياً من الطرفين لن يتمكن من تحقيق نصر كامل، وأن استمرار القتال لن يؤدي إلا إلى تعميق المأساة الإنسانية.

وأضاف أن غياب القوى المدنية عن المبادرات السابقة، مثل مؤتمري باريس ولندن، كان من الأسباب الرئيسية لفشل تلك الجهود في إنتاج مسار سياسي مستدام، داعياً إلى ضرورة تصحيح هذا الخلل عبر إشراك جميع مكونات المجتمع السوداني في عملية السلام.

خارطة “الرباعية”: فرصة مشروطة بالالتزام

تتجه الأنظار أيضاً إلى مبادرة “الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، والتي تُعد من أبرز المقترحات المطروحة على طاولة مؤتمر برلين.

ويرى مراقبون أن هذه المبادرة تتميز بوضوح آلياتها وجداولها الزمنية، إضافة إلى الدعم السياسي الذي تحظى به، ما يمنحها قدراً من المصداقية مقارنة بالمبادرات السابقة.

غير أن نجاح هذه الخارطة يبقى مرهوناً بمدى التزام الأطراف المتحاربة، فضلاً عن قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغط فعلي يدفع نحو تنفيذ بنودها، خاصة في ما يتعلق بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات.

المشهد الداخلي: صراع نفوذ واحتمالات التفكك

على الصعيد الداخلي، تتقاطع التحركات الدولية مع واقع سياسي هش، يشهد صراعاً متصاعداً على النفوذ داخل مؤسسات الدولة، لا سيما في ظل ما يُقال عن تنامي دور مجموعات مرتبطة بالنظام السابق داخل بعض الأجهزة.

ويرى حمدوك أن هذا المسار قد يقود إلى أحد احتمالين: إما إعادة إنتاج السلطة القديمة، أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك، في حال فشل الجهود الرامية إلى بناء نظام سياسي جديد يقوم على أسس مدنية وديمقراطية.

كما يطرح هذا الواقع تحديات إضافية أمام أي عملية سلام، إذ يتطلب الأمر معالجة عميقة لجذور الأزمة، بما في ذلك قضايا الحكم والعدالة وتوزيع السلطة.

المأساة الإنسانية: أرقام صادمة وتحديات مستمرة

في موازاة الحراك السياسي، يظل الوضع الإنساني أحد أبرز عناوين الأزمة، حيث تشير التقديرات إلى نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، في ظل تدهور حاد في الخدمات الأساسية.

كما تتواصل الهجمات على الأسواق والمستشفيات والمناطق السكنية، ما يزيد من معاناة المدنيين ويقوّض فرص الاستقرار.

وتواجه عمليات الإغاثة تحديات كبيرة، من بينها صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، واستخدام الغذاء أحياناً كوسيلة ضغط في مناطق النزاع، ما يعقّد جهود المنظمات الإنسانية.

ورغم الحديث عن تعهدات جديدة خلال مؤتمر برلين، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التعهدات إلى مساعدات فعلية تصل إلى مستحقيها.

 

بين مسارين: السلام المدني واستمرار الحرب

يرى محللون أن مؤتمر برلين يعكس صراعاً بين مشروعين متناقضين:

الأول يسعى إلى إنهاء الحرب عبر مسار سياسي تقوده قوى مدنية،

والثاني يراهن على استمرار القتال كوسيلة لإعادة تشكيل السلطة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المؤتمر في كونه محاولة لنقل الصراع من ساحة المعركة إلى طاولة السياسة، عبر إعادة تعريف موازين القوى وإبراز الفاعلين المدنيين.

ورغم أن المؤتمر قد لا يفضي إلى وقف فوري لإطلاق النار، إلا أنه يحمل دلالات مهمة بشأن تغير المزاج الدولي، الذي بات أكثر ميلاً إلى الضغط لإنهاء الحرب، بدلاً من الاكتفاء بإدارتها.

هل تفتح برلين نافذة السلام؟

في المحصلة، يبدو أن مؤتمر برلين يمثل فرصة جديدة، وربما أخيرة، لإعادة توجيه مسار الأزمة السودانية نحو حل سياسي شامل، خاصة في ظل تزايد القناعة بعدم جدوى الخيار العسكري.

غير أن هذه الفرصة تظل محفوفة بالتحديات، في ظل تعقيدات المشهد الداخلي، وتباين مواقف الأطراف المختلفة، فضلاً عن التجارب السابقة التي انتهت إلى الفشل.

ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد المؤتمر بهذه الصيغة، وبهذا التركيز على القوى المدنية، يشير إلى تحول مهم قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يكون فيها صوت المدنيين أكثر حضوراً، وإرادة السلام أكثر وضوحاً.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح برلين في تحويل هذا التحول إلى واقع ملموس، أم تنضم إلى قائمة الفرص الضائعة في تاريخ السودان الحديث؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!