الوجود المُستباح: من بلاغة الاستبداد إلى هندسة الإبادة في السودان

الوجود المُستباح: من بلاغة الاستبداد إلى هندسة الإبادة في السودان
بقلم: نجوي بابو
شهد الفضاء السياسي السوداني عبر تاريخه الحديث مختبراً لغوياً مشحوناً بالرموز التي تجاوزت حدود الوصف اللفظي لتسهم بشكل مباشر في صياغة الوعي العام وتوجيه الممارسة على الأرض. وحين استدعت الذاكرة السياسية في عقد الانقاذ عبارات حادة مثل لحس الكوع أو الدم للركب ،لم تكن تلك الكلمات مجرد زلات لسان عابرة أو تعبيرات شعبوية تهدف إلى الإثارة اللحظية، بل كانت تمثل الدستور المضمر والنواة الفلسفية لنظام استبدادي قام على فكرة امتلاك الوجود الشامل وإلغاء الآخر وتأسيس معرفة قائمة على الاستحالة السياسية. إن الانتقال المعاصر من مرحلة الخطاب الشفاهي والمجاز الشرير إلى مرحلة الممارسة الوجودية الحالية، يعكس تحولاً فلسفياً خطيراً يترجم البلاغة النظرية إلى هندسة مادية للإبادة والموت الممنهج.
في العقود الماضية، كانت عبارة لحس الكوع تُستدعى كأداة بلاغية لترسيم حدود المستحيل السياسي. وضع النظام الاستبدادي نفسه في مرتبة المطلق الذي لا يمكن إسقاطه، مستخدماً الجسد البشري واستحالاته البيولوجية كرمز لاستحالة التغيير. لم يكن هذا الخطاب مجرد أدوات لغوية للترهيب النفسي، بل كان تأسيساً لبنية معرفية تمنع المجتمع من تخيل بديل سياسي. كان الوعيد بالدم للركب بمثابة السور اللفظي الذي يحمي امتيازات السلطة ويقنن العنف قبل وقوعه، مهيئاً العقل الجمعي لتقبل البطش كقدر حتمي لا مفر منه، ومسجلاً بداية تآكل المجال العام.
ومع انفجار الصراع الراهن، غادرت هذه الاستعارات لسان الخطباء لتستقر في ترسانة الممارسة المادية العنيفة. لم يعد الاستبداد بحاجة إلى مجازات لغوية ليثبت سطوته، بل انتقل إلى مرحلة الهندسة الجسدية المباشرة حيث يترجم ثالوث الترهيب والتركيع التجويع على أجساد المواطنين وحياتهم اليومية. إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد اقتتال تقليدي على مقار السلطة وثروات البلاد، بل هو عملية إعادة صياغة ديموغرافية واجتماعية شاملة عبر آلة الموت الممنهج. تدمير البنى التحتية، واستهداف المستشفيات، وتحويل الغذاء والدواء إلى أسلحة حرب، كلها شواهد على أن لغة لحس الكوع القديمة قد تطورت إلى آلية مادية تهدف إلى سحق الوجود الإنساني نفسه وإلغاء شروط البقاء.
يتجلى هذا التحول المخيف بوضوح في سلاح التجويع ،حيث يتحول الحصار الاقتصادي المطبق ومنع وصول المساعدات الإغاثية إلى سياسة ممنهجة لإخضاع المجتمعات وتجويعها حتى الموت. هذا التوظيف السياسي للجوع يمثل ذروة الانتقال من التهديد اللفظي بالإبادة إلى ممارستها فعلياً كأداة لإدارة الصراع وسحق الحاضنة الاجتماعية للآخر الذي ليس لها ناقة ولا بعير في الامر . إنها هندسة مادية واعية تعيد رسم الخارطة عبر محو كينونة الإنسان المدني وتجريده تماماً من أبسط حقوقه الحيوية وسط صمت دولي مريب.
إن تفكيك لغة الاستبداد السوداني يكشف أن الكلمات لم تكن يوماً مجرد أصوات تذروها الرياح، بل كانت المخططات الهندسية الأولى للمأساة الحالية. إن الحرب الراهنة هي التجسيد المادي الأخير لبلاغة الإقصاء التي رُوّج لها لسنوات طوال. وفي مواجهة هذا الوجود المستباح، يصبح الوعي بجذور هذا الخطاب الخطوة الأولى والضرورية نحو تفكيك آلة الإبادة، واسترداد الحق الإنساني في الحياة والكرامة، وإعادة بناء فضاء سياسي يتسع للتنوع ويمحو إلى الأبد لغة الاستحالة والموت، وتجذير دولة المواطنة والاستقرار التي تنشدها الأجيال.




