رأي

هل أصبحت الاتفاقيات الإبراهيمية ضرورة وطنية للسودان؟

دكتور تيسير مصطفي 

 

دكتور تيسير مصطفي 

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، ربما لم يعد السؤال الذي يشغل المواطن السوداني هو من كان على حق ومن كان على خطأ. فالمواطن الذي فقد منزله، أو مصدر رزقه، أو أحد أفراد أسرته، يبحث اليوم عن شيء أكثر إلحاحاً: الأمن، والاستقرار، وفرصة حقيقية للعودة إلى حياة طبيعية.

لقد خلّفت الحرب دماراً هائلاً طال البشر والاقتصاد ومؤسسات الدولة، وأعادت السودان سنوات طويلة إلى الوراء. ولم تعد التحديات تقتصر على وقف القتال، بل أصبحت تمتد إلى إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة الثقة، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وإعادة الأمل لملايين السودانيين.

في مثل هذه الظروف الاستثنائية، يصبح من مسؤوليتنا الوطنية أن نعيد النظر في كل الخيارات التي قد تساعد السودان على الخروج من أزمته، بعيداً عن الأحكام المسبقة والاستقطاب السياسي. فالدول التي تمر بحروب مدمرة لا تستطيع أن تعيد بناء نفسها بالأدوات القديمة وحدها، بل تحتاج إلى مراجعة سياساتها، وتوسيع خياراتها، والبحث عن شراكات جديدة تخدم مصالحها الوطنية.

ومن بين الملفات التي تستحق إعادة النظر بهدوء ومسؤولية ملف الاتفاقيات الإبراهيمية. فقد ظل هذا الملف لسنوات موضوعاً للجدل السياسي، واختُزل في كثير من الأحيان في تصورات لا تعكس كامل أهدافه أو إمكاناته. وبينما رأى البعض فيه مجرد تطبيع مع إسرائيل، واعتبره آخرون مشروعاً موجهاً ضد القضية الفلسطينية، أو حتى ربطه البعض بمفاهيم دينية لا تمت إليه بصلة، فإن هذه التصورات لا تقدم واقع الامر.

في جوهرها، تمثل الاتفاقيات الإبراهيمية إطاراً للتعاون بين الدول في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والزراعة، والمياه، والصحة، والتعليم، والتكنولوجيا، والطاقة، والابتكار، وهي تقوم على فكرة بناء المصالح المشتركة باعتبارها إحدى وسائل تعزيز الاستقرار والسلام والمكاسب المشتركه للشعوب والدول.

ولا يعني طرح هذا الموضوع الدعوة إلى التقليل من مكانة القضية الفلسطينية في وجدان السودانيين والعرب، وإنما يعني طرح سؤال مشروع تفرضه الظروف الراهنة: هل يستطيع السودان، بعد كل ما أصابه من دمار، أن يغلق الباب أمام أي فرصة قد تسهم في إعادة بناء اقتصاده، وتوسيع شراكاته، ودعم فرص السلام؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن نناقشه اليوم بعقل مفتوح، ومن منظور واحد فقط: مصلحة السودان، وسلام شعبه، ومستقبل أجياله.

وقد يعتقد البعض أن الحديث عن الاتفاقيات الإبراهيمية يجب أن يُؤجَّل إلى ما بعد انتهاء الحرب، وأن الأولوية اليوم هي وقف القتال فقط. غير أن الواقع قد يكون مختلفاً. فإذا كانت هذه الاتفاقيات تمتلك القدرة على بناء شراكات إقليمية ودولية، وتحريك أدوات سياسية واقتصادية وتنموية مؤثرة، فمن المشروع أن نتساءل: هل يمكن أن تكون جزءاً من الحل، وليس مجرد مشروع لمرحلة ما بعد الحرب؟

إن انتظار انتهاء الحرب قبل التفكير في مثل هذه الخيارات قد يعني إضاعة فرص يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر، ودعم جهود السلام، وتهيئة الظروف لتسوية أكثر استدامة. ولذلك، فإن مناقشة الاتفاقيات الإبراهيمية اليوم لا تعني تجاوز أولوية وقف الحرب، بل تنطلق من احتمال أن تكون هذه الشراكات نفسها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى السلام، وليس فقط في إعادة البناء بعده.

أما الكيفية التي يمكن من خلالها أن تسهم هذه الاتفاقيات في دعم جهود وقف الحرب وبناء سلام مستدام في السودان، فهي ما سنتناوله بمزيد من التفصيل في المقال القادم.

السودان لا ينبغي أن ينظر إلى الاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها علاقة مع دولة واحدة، بل باعتبارها بوابة للانضمام إلى منظومة إقليمية جديدة تقوم على الاستثمار والابتكار والتكنولوجيا والتنمية.

وتضم الاتفاقيات الإبراهيمية كلاً من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة المغربية، وإسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية، كما انضمت إليها لاحقاً دول أخرى بصيغ تعاون مختلفة. ولكل دولة من هذه الدول نقاط قوة يمكن أن تمثل فرصاً حقيقية للسودان إذا أُحسن توظيفها في إطار رؤية وطنية واضحة.

فالإمارات تمتلك خبرة واسعة في الاستثمار، وبناء البنية التحتية، والموانئ، والطاقة، والخدمات اللوجستية، وإدارة المناطق الاقتصادية، كما أصبحت مركزاً عالمياً للأعمال والابتكار.

وتتميز البحرين بخبرتها في القطاع المالي والمصرفي، وتطوير التشريعات الاقتصادية، والخدمات المالية الحديثة.

أما المغرب فقد راكم تجارب مهمة في مجالات الزراعة الحديثة، وإدارة الموارد المائية، والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، إلى جانب موقعه كبوابة نحو الأسواق الأفريقية والأوروبية.

وتملك إسرائيل خبرات متقدمة في التكنولوجيا، والابتكار، والزراعة الذكية، وإدارة المياه، والري، وتحلية المياه، والصناعات الطبية، والأمن السيبراني.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي تمثل أحد أكبر مصادر التكنولوجيا، ورأس المال، والجامعات، والبحث العلمي، والاستثمار، والأسواق العالمية.

وفي المقابل، لا يدخل السودان إلى مثل هذه الشراكات من موقع المتلقي للمساعدة، بل من موقع الشريك الذي يمتلك مقومات استراتيجية حقيقية. فهو يزخر بأراضٍ زراعية شاسعة، وموارد طبيعية متنوعة، وثروة حيوانية ومعدنية كبيرة، وموقع جغرافي فريد يربط بين أفريقيا والعالم العربي ويطل على البحر الأحمر، إلى جانب رأس مال بشري قادر على الإبداع والإنتاج إذا أُتيحت له الفرصة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي علاقة تُبنى على أساس الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والحفاظ على السيادة الوطنية، لا ينبغي أن تُفهم على أنها علاقة مانح ومتلقٍ، وإنما شراكة متوازنة يسهم فيها كل طرف بما يمتلكه من إمكانات، بما يحقق قيمة مضافة ومكاسب مستدامة لجميع الأطراف.

**لماذا أصبح المواطن السوداني هو معيار القرار؟**

لقد اعتادت النقاشات السياسية في السودان، لعقود طويلة، أن تنطلق من الانتماءات الأيديولوجية، أو الاصطفافات الإقليمية، أو الخلافات السياسية. لكن الحرب الحالية غيّرت كل شيء.

فاليوم، لم يعد المواطن السوداني يسأل عن الشعارات بقدر ما يسأل عن مستقبله ومستقبل أبنائه. يريد أن يعود إلى منزله، وأن يجد عملاً، وأن يرسل أبناءه إلى المدرسة، وأن يحصل على العلاج، وأن يعيش في وطن آمن ومستقر.

ومن هنا، فإن أي قرار في السياسة الخارجية، أو أي شراكة إقليمية أو دولية، ينبغي أن يُقيَّم أولاً من خلال سؤال بسيط وواضح:

هل يسهم هذا القرار في تحسين حياة المواطن السوداني؟

فإذا كان يفتح أبواباً لحلول قد تساهم في قف الحرب بالإضافة الي فرص للاستثمار، ويخلق فرص عمل، ويساعد على إعادة الإعمار، وينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويعزز الأمن الغذائي، ويدعم فرص السلام، فإنه يستحق الدراسة الجادة، بصرف النظر عن الجدل السياسي الذي قد يحيط به لأنه أصبح من الأولويات بالنسبة الي المواطن.

أما إذا كان لا يحقق مصلحة المواطن، أو يهدد سيادة السودان واستقلال قراره، فلا ينبغي قبوله مهما كانت المبررات.

إن مصلحة المواطن يجب أن تكون البوصلة التي توجه قرارات الدولة في هذه المرحلة الدقيقة وليس الشعارات السياسية. فبعد سنوات الحرب والدمار، لم يعد السودان يملك ترف اتخاذ قرارات تقوم على ردود الأفعال أو الاستقطاب، بل يحتاج إلى سياسة خارجية واقعية ومتوازنة، تجعل الإنسان السوداني في قلب عملية صنع القرار.

فنجاح أي سياسة خارجية لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها الدولة، وإنما بقدرتها على تحسين حياة مواطنيها، وحماية مصالحهم، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة.

إن الأمم تقاس بقدرتها على حماية شعوبها وصناعة مستقبلها ولا تُقاس بشعاراتها. وإذا كان السودان يريد أن ينهض من تحت ركام الحرب، فعليه أن يمتلك الشجاعة لإعادة تقييم كل خياراته بعقل مفتوح، وأن يجعل مصلحة المواطن، وسيادة الوطن، ومستقبل الأجيال، المعيار الذي تُوزن به كل السياسات وكل الشراكات. فهذه ليست دعوة إلى الانحياز لمحور، ولا إلى التخلي عن المبادئ، وإنما دعوة إلى أن يكون السودان شريكاً مستقلاً، واثقاً من نفسه، وقادراً على توظيف علاقاته الإقليمية والدولية لخدمة شعبه أولاً وأخيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!