تفاحة الحياد.. هل ستُخرج مناوي من جنة علي كرتي؟

تفاحة الحياد.. هل ستُخرج مناوي من جنة علي كرتي؟
بقلم: م. عمار سعيد
يبدو أن مني أركو مناوي بدأ يكتشف متأخراً أن جنة علي كرتي ليست سوى غابة تتناسل فيها المليشيات، وتتناقص فيها الامتيازات كلما تكاثرت البنادق، وأن المائدة التي ظن أنه أحد ضيوفها المميزين أصبحت مفتوحة لقادة جدد، ربما يزاحمونه قريباً على نصيبه من موارد الحرب وغنائم السلطة.
فتململ مناوي من تكاثر التشكيلات المسلحة التي تقاتل تحت إمرة الجيش لا يبدو، في تقديري، صحوة ضمير مفاجئة تجاه خطورة المليشيات على الدولة، وإنما خوفاً مشروعاً، وفق حساباته الخاصة، من أن تسحب هذه التشكيلات البساط من تحت قدميه، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تشير تقارير ميدانية إلى تعرض قواته لها في محاور كردفان، وما قد يترتب عليها من تراجع وزنه العسكري وقدرته على المساومة.
فالرجل الذي لم يجد غضاضة في حمل السلاح إلى جانب البرهان، يبدو اليوم منزعجاً من اكتشاف أن بندقيته ليست الوحيدة المعروضة في سوق الولاءات، وأن تجار الحرب لا يعترفون بأقدمية الزبائن، وإنما بحجم البضاعة العسكرية التي يقدمونها.
لكن الأكثر إثارة للسخرية هو ما يتردد عن احتمال منح مناوي منصب نائب رئيس مجلس السيادة خلفاً لمالك عقار، وهو المنصب الذي تحول، منذ غياب محمد حمدان دقلو عنه، إلى مقعد شرفي يتقزم فيه الدور السياسي لكل من يجلس عليه، بعد أن كان موقعاً مؤثراً في معادلة السلطة والقوة.
وهنا يبرز السؤال الساخر: هل يستعد مناوي ليكون القزم السياسي القادم على كرسي نائب رئيس مجلس السيادة، بعد إزاحة مالك عقار، أم أنه أدرك أن المنصب الذي يلمع أمامه ليس سوى تفاحة أخرى من تفاح جنة علي كرتي، جميلة المظهر، خاوية المضمون؟
فما قيمة منصب نائب رئيس مجلس السيادة في سلطة تتوزع فيها مراكز القرار بين القيادة العسكرية وشبكات النفوذ السياسي والأمني؟ وما الذي سيضيفه هذا الكرسي لمناوي إذا كان ثمنه أن يتحول من قائد حركة مسلحة يفاوض ببندقيته إلى نائب ينتظر الإذن بالكلام؟
ولعل مناوي يدرك جيداً أن لقب نائب الرئيس لا يمنح صاحبه بالضرورة سلطة حقيقية، وأن مالك عقار نفسه يقدم نموذجاً يستحق التأمل في الفارق بين فخامة المنصب ومحدودية التأثير.
ومع ذلك، لا أعتقد أن مناوي سيجازف بمغادرة معسكر البرهان لمجرد أنه شعر بتراجع حصته من النفوذ والموارد. فالرجل يعرف جيداً حكمة القرود الشهيرة: «لا تُفلت غصناً قبل أن تمسك بغصن آخر».
ولذلك فإن حديثه عن خطورة تناسل المليشيات ربما لا يكون أكثر من رسالة مشفرة إلى البرهان وقيادات الحركة الإسلامية، مفادها أن عليهم الالتفات إلى مطالبه قبل أن يفكر في إعادة ترتيب أوراقه وتحالفاته.
فهو لا يهدد بالضرورة بمغادرة الجنة، وإنما يطالب بتحسين شروط إقامته فيها، ولا يعترض بالضرورة على وجود المليشيات، وإنما على أن تصبح هناك مليشيات أخرى أكثر حظوة وتمويلاً وتأثيراً من قواته.
وهنا تتجلى مأساة المشهد السوداني؛ فبينما يدفع المواطن ثمن الحرب من دمه وجوعه ونزوحه، ينشغل بعض حلفاء الحرب بحسابات المواقع والمخصصات وترتيب المقاعد حول مائدة السلطة.
والسؤال ليس ما إذا كان مناوي سيقضم تفاحة الحياد، وإنما ما إذا كان يملك الشجاعة لابتلاعها بعدما تذوق طويلاً ثمار السلطة.
وفي تقديري، لن يخرج مناوي من جنة علي كرتي ما لم يجد جنة بديلة تضمن له ما يخشى فقدانه، وربما يكتفي في الوقت الراهن بهز شجرة البرهان حتى تتساقط عليه بعض الامتيازات، أو ينتهي به المطاف جالساً على كرسي نائب رئيس مجلس السيادة، يحمل لقباً أكبر من سلطاته، ويتأمل مصير من سبقه إليه.
فإن كانت تفاحة آدم قد أخرجته من الجنة، فإن تفاحة مناوي ربما تقوده إلى كرسي مالك عقار، ليكتشف متأخراً أن الجنة التي وعدوه بها لم تكن سوى حديقة للمناصب الشرفية، وأنه لم يصبح الرجل الثاني في الدولة، بل مجرد رقم جديد في قائمة المنتظرين أمام مكتب البرهان!




