
عبدالرحمن العمرابي
كان السودان عبر التاريخ مسرحاً لتداول الأيادي الحاكمة؛ بعضها خرج من داخله، وبعضها جاء عبر السيطرة الخارجية. عُرف السودان قديماً بـ بلاد كوش أو إثيوبيا كما ورد في التوراة والإنجيل، وله تاريخ أسبق حين كان جزءاً من حكم السبأيين تحت مملكة سيا، وهي واحدة من أوسع الممالك التي عرفها التاريخ قبل الميلاد. امتدت تلك المملكة من بلاد المغرب العربي وأرض القبائل الليبية وأرض كمت (مصر)، مروراً بالجزيرة العربية والهلال الخصيب حتى فارس، وأوروبا الوسطى، وهضبة الأناضول، وبلاد فارس والهند والسند وصولاً إلى الصين وكان ذلك اود دخول للعرب القحطانيين للسودان بقرون قبل الميلاد.
في تلك الحقبة، كان سكان ما يُعرف اليوم بـ السودان النيلي (شريط النيل الأزرق والنيل، قبل أن تندمج معظم مناطق النيل الأبيض وغربه في هذه الرقعة) جزءاً من هذه الجغرافيا الكبرى. وقد قاتل الكوشيون جنباً إلى جنب مع السبئيين لغزو مملكة يهوذا، تلك التي قامت منذ عهد النبي داوود وتعتبر مرجعية تاريخية لدعوى وجود دولة إسرائيل القديمة. سقطت يهوذا بفعل الغزو المشترك لقوات سبأ والعسكر الكوشيين والقبائل الفلسطينية البدوية.
من هنا نفهم توالي العلاقة التاريخية بين تهارقا والدول اليهودية، إذ دافع عنها ضد غزوات شعوب آسيا الصغرى، كما حرّر مصر من سلطة القبائل الليبية وحكمها لقرون تالية. ثم ظهرت بعد نهاية مملكة سبأ الممالك النيلية مثل المقره ونوباتيا وعلوه وأخرىات، وظهرت لاحقاً ممالك أصغر في شمال السودان مثل مملكة دنقل نسبه لملكها وممالك الشوايقة والرباطاب والجعليين، إلى أن قامت مملكة سنار وحلفاؤها العبدلاب، فظهرت معها مملكة المسبعات، وسلطنة دارفور، وسلطنة المساليت، وسلطنات جبال النوبة.
أما اسم السودان فتتباين الروايات حوله؛ فالبعض يقول إنه نسبة إلى “أرض السود”، وآخرون يرجعونه إلى ما أسماها السبئيون ومملكة نبي الله سليمان عليه السلام بـ كوشستان. وهناك من يرى أن الاسم الأصلي هو إثيوبيا أي “أرض أصحاب الوجوه المحروقة”، فيما يرجع البعض الآخر التسمية إلى اللاتينية بمعنى “الجنوب”. وكثيرون لا يعلمون أن سودان اليوم كان في زمن ما تابعاً للإمبراطورية الرومانية، وأن الكنداكات خضن حروباً مع روما، بل إن الكوشيين حكموا يوماً صقلية وسردينيا. كما لم يكن سودان اليوم أول دولة تحمل هذا الاسم؛ فقد سبقته تشاد، ثم ظهر ما سُمّي بـ السودان الفرنسي، ما دفع لتمييز السودان الحالي بـ السودان الإنجليزي قبل الاستقلال.
مع القضاء على الدولة المهدية وما صاحبها من مجاعات وحروب، تقلص عدد السكان بشكل مريع، بينما ظل السودان في نظر الآخرين، خاصة أوروبا وتركيا بذراعها الخديوية المصرية، مجرد مصدر للمواد الخام والمنتجات الزراعية والرعوية والأيدي العاملة (الذهب والعبيد، وبقي الذهب وحده حين انحسر استجلاب العبيد).
بعد دخول الاستعمار الإنجليزي، عمل السودانيون الذين نالوا تعليماً أوروبياً على يد الإنجليز على السعي لنيل حكم ذاتي أو استقلال، لكنهم فعلوا ذلك بعقلية أوروبية أنكرت ما سبقها، واعتبرت الممالك السابقة “جاهلة” وغير مؤهلة للحكم لأنها لم تتبنَّ الفكر الأوروبي العلوي. وهكذا تحولت هذه النخبة إلى مجموعة مناسبة لتسليمها الحكم بتكاليف منخفضة، مع استمرار نظام الاقتصاد الاستخراجي المرتبط مع الدول المستعمرة الذي أرسى قواعده الاستعمار وما زال السودان أسيراً له.
لكن المدنيين التكنوقراط اصطدموا بالواقع؛ فالقوى الطائفية والدينية والعادات المحلية كانت أقوى، فقرروا استمالتها بدلاً من محاربتها. ومن هنا نشأت الأجسام الحاكمة التي جمعت بين المدنيين المتأثرين بالفكر الأوروبي والطائفية المتأرجحة بين الإقليمية والمحلية، بينما ظل الفكر المحلي أكثر رسوخاً في غرب السودان، حيث كانت سلطنة دارفور آخر سلطنات البلاد التي قبلت بالسلطنة التركية أكثر مما قبلت بالهيمنة الأوروبية والتي أبعدها المستعمر من التميه لانها كانت ارض الثوره المهديه كعقوبه او حرص من تكرار الحدث كما كانت هنالك سياسات المناطق المغلفه وما نتج عن ذلك وانتهي برمي اللوم علي ما يسمي بحكومه ٥٦ والنخب والشريط النيلي مغلفا بحديث كراهيه اثني وجهوي لا اساس له من الصحه وتم استخدامه كخطاب تعبوي انتخب باعتقاد قد يكون بذره فناء حلم السودان الجديد الموحد الذي يعمه السلام.
ثم برز الجيش السوداني (الأورطة السودانية/قوة دفاع السودان). تآمر بعض المدنيين التكنوقراط معه للسيطرة على الحكم، لكن ما إن تمكن العسكر من السلطة حتى تمسكوا بها، كما حدث في حكومة عبود إثر مؤامرة عبدالله خليل. عاد المدنيون بعدها إلى المقاومة، مستندين إلى الأيديولوجيات الأوروبية المتأرجحة بين الرأسمالية والاشتراكية، نجحوا في إسقاط الحكم العسكري لأن الغلبة العددية للمجتمع كانت لصالح المدنيين.
لكن الصراع سرعان ما عاد بين اليمين واليسار. وتآمر اليساريون، رغم ضعفهم الشعبي، مع بعض العسكر لإدخال الجيش إلى السلطة مجدداً تحت لافتة “العسكر الاشتراكيين” (قوميين عرب أو شيوعيين تابعين لروسيا بعد ان عملوا علي تحويل بعض من العسكر الي الانتماء الي هذه الأيدلوجيات). وهكذا جاء حكم نميري، الذي حسبوه عسكرياً ثورياً قابلاً للتحويل إلى مدنية يسارية. غير أن العسكر تمسكوا بالسلطة، ووضعوا التكنوقراط في خدمتهم، إلى أن برز فكر جديد مستورد: الإخوان المسلمون.
بدأ الإسلاميون باستخدام ما تبقى من القوى المدنية، فانتقلوا تدريجياً من حكم مدني تكنوقراط إلى حكم إسلاموي، عبر تجربة سوار الذهب (عسكري) ونقيب الأطباء الإسلاموي (مدني)، إلى أن تمكنوا من التحول المدني. ومع قوتهم، واجهوا الطائفية والتقليدية، بينما بقي اليسار ضعيفاً. ثم لجأوا بدورهم إلى الجيش، فدبروا انقلاباً أطاح بالمدنيين، وأطالت سلطتهم الفترة الانتقالية قبل تسليم الحكم، لكنهم وقعوا في ما وقع فيه من سبقهم: تمسك العسكر بالسلطة، وطال حكمهم متحالفين مع المدنيين الإسلامويين حتى انتهى بثورة شعبية أو انتفاضة جماهيرية خلت من الأيديولوجيات، فكانت مجرد ردة فعل على الظلم والفساد.
ظهر المدنيون التكنوقراط والطائفية واليسار مجدداً، بمن فيهم الشيوعيون والقوميون (بعثيون وناصريون)، بجانب القوى التقليدية (حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي)، ومعهم قوى حديثة ضعيفة السند الشعبي مثل المؤتمر السوداني. كونوا جسماً باسم قوى الحرية والتغيير وضموا اليه ما اسميهم بالكومبارس، أقصوا قوى الثورة الشعبية، وعزلوا الإسلامويين، واعتمدوا على العسكر كشركاء الذين تمكن الإسلامويون منهم عبر عمل امتد عقوداً، رغم رفض الشارع. وكما هي عادة العسكر، انقلبوا على حلفائهم التكنوقراط الذين اعمت أعينهم مطامعهم الشخصيه.
لكن في هذه المرة ظهرت قوة جديدة لم يحسبوا لها حساباً: الدعم السريع. هذه القوة لم تكن عسكرية خالصة بل تستند إلى سند اجتماعي قبلي وجهوي قوي. حاولوا التخلص منها بقتل قادتها وتشويهها بالدعاية، لكنهم فوجئوا بأنها تستند إلى مظالم تاريخية وضحايا يرون فيها سنداً. اندلعت الحرب الأهلية بثلاثية: الجيش والإسلامويون وأطماعهم، مقابل الدعم السريع والمظاليم، مقابل تجمع التكنوقراط الذي لا يريد فقدان مكاسبه التي معظمها شخصيه ممثله لقوي لن تصل الي الحكم عبر صناديق الاقتراع او التحول المدني الديموقراطي.
ومع غياب مشروع سياسي واضح، بدأ الدعم السريع في البحث، فوجد بعض الأيديولوجيا المستوردة القائمة على الفكر الماركسي يمكن ان تكون نواه لدعم شعبي مدني، فتبنى مؤثرون في قراره أيديولوجية الهامش والمركز، واستخدم مقولات غرامشي، ودخل في شراكات مع الحركة الشعبية شمال، فنجح في مواجهة أسلحة الإسلامويين التقليدية: بث الخلاف الإثني والجهوي بعد استنزاف ورقة الدين (التي انتهت بانفصال الجنوب).
ومن هنا ظهر تحالف تأسيس، كتحالف مدني يرضي القوى العالمية، خاصة الغرب، ويُشهر انخراط القوى العسكرية تحت المدنيين، بوعد إعادة هيكلة العسكر وقيام قوات تأسيس الموحدة (الجيش + الدعم السريع + الجيش الشعبي + الحركات المسلحة)، مع تفعيل العداله الانتقاليه والمحاسبه التي اعلن الدعم السريع مساندته لها بصوره غير متوقعه. وتشكلت حكومة مدنية، رغم سيطرة القوى الثالثة المنحدرة من انشقاق قوى الحرية والتغيير، وعلى رأسهم حزب المؤتمر السوداني نتيجه للإقصاء والتهميش الذي لقوه حين كانوا جزء متفرج داخل تقدم.
بدأ العالم ينظر إلى تأسيس كتجربة مختلفة، تقدم تحولاً طبيعياً يلبي متطلبات الداخل والخارج: تغيير مدني ديمقراطي، عودة العسكر إلى الثكنات، وبروز تحول مدني خجول لكنه قد يقود إلى حلم السودان الجديد. حلمٌ يقترب حيناً عبر تأسيس، ويبتعد أحياناً بأيدٍ سودانية أكثرها مدفوعة بأجندات خارجية، لا لكره السودان، بل للإبقاء عليه كأرض ذهب وعبيد، محكوماً باقتصاد استخراجي تابع.
السؤال الذي يطرح مع من يقف الشارع السوداني ومتي يعرف صليحه من عدوه وهل سيغلب الطبع علي التطبع ام وعي السودانيين الدرس؟




