بين إنكار سلطة بورتسودان وتقارير الأمم المتحدة الكارثية.. من يورط الجيش في جرائم الحرب وإبادة المدنيين؟

تقرير – التنوير
تشهد الأوضاع الإنسانية في السودان منعطفاً بالغ الخطورة مع تصاعد السلسلة الدموية وجرائم الإبادة الممنهجة التي يرتكبها الطيران المسير التابع للجيش السوداني ضد المدنيين الأبرياء في مناطق حكومة السلام الانتقالية في دارفور وكردفان واقليم الفونج الجديد. هذا التصعيد المستمر، الذي أودى بحياة مئات القتلى والجرحى من المدنيين العزل، بات يضع جيش سلطة بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان أمام مأزق أخلاقي وقانوني غير مسبوق، خصوصاً مع توثيق هذه الفظائع بحضور ورصد مباشر من البعثات الأممية والجهات الحقوقية الدولية.
وتعكس موجة المجازر الأخيرة طبيعة هذا الاستهداف الممنهج، حيث طالت الهجمات الغادرة مرافق مدنية حيوية وأسواقاً شعبية ومؤسسات خدمية في عدة مناطق. فقد شهدت مدينة الضعين بشرق دارفور قصفاً وحشياً على سوق النعام بمنطقة أبيي تسفر عن مجزرة بشرية مروعة اودت بحياة 153 مدنباً، واستهدف الطيران المسير قبلها سيارة ركاب بالدبب أسفرت الغارة الجوية عن مقتل أكثر من 80 شخصاً، كما استهدفت مسيرات الجيش مركزاً صحياً بحي العرب أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وتكرر المشهد الدموي في سوق أبو جابرة مخلفاً ضحايا من الأطفال والنساء. ولم تسلم ولاية غرب كردفان من هذا السعار العسكري، حيث تعرضت مباني الشرطة الفيدرالية في محلية بابنوسة لدمار هائل، بالتزامن مع استهداف أمانة الحكومة في مدينة نيالا، وفي الاسبوع الماضي استهدف طيران الجيش المسير أيضا منطقة أبو زعيمة وأبو زبد وسوق منطقة النايم والاضية وعدد من المناطق أسفر عن عشرات القتلى والجرحى من المدنيين بينهم أطفال ونساء وشيخ كبار في السن، في حلقة جديدة من حلقات ترويع السكان وتشريدهم.
وتعليقاً على هذه التطورات الميدانية المتلاحقة، يطرح المحلل السياسي هشام عباس تساؤلات جوهرية حول توقيت ودوافع هذه العمليات، مشيراً إلى مفارقة بالغة الخطورة تتمثل في استهداف أسواق مكتظة مثل سوق النعام وغيره بالتزامن، في مناطق تتواجد فيها بعثات وقوات أممية رسمية تقيم على الأرض وتقوم بالرصد المباشر للانتهاكات باتفاق مسبق مع الدولة السودانية. ويؤكد عباس أن قيادة الجيش لم تكن تجهل البتة وجود هذه البعثات الأممية، مما يطرح السؤال الحتمي حول سبب التورط في جريمة تكشف عن مأزق إضافي لا تحتاجه المؤسسة العسكرية أصلاً.
ويجيب التحليل السياسي بتشخيص دقيق لأزمة القرار داخل معسكر بورتسودان، مؤكداً أن الجيش لم يعد يسيطر ولا يملك قرار تشغيل هذه المسيرات، بل إن القرار بات محكوماً بأجندة الحركة الإسلامية وتحديداً مليشيا “البراء بن مالك” التي تتولى التشغيل الميداني. واللافت للانتباه وفقاً لقراءة عباس هو أن هذه الهجمات المتعمدة على المدنيين وتوريط الجيش في جرائم ضد الإنسانية تتزامن دائماً مع أي حديث أو توجه من جانب الجيش نحو إبرام هدنة أو اتفاق سياسي أو إنساني، مما يؤكد أن قيادة الجيش عاجزة تماماً عن محاسبة أو مساءلة هذه المليشيات المتطرفة، تماماً مثلما عجزت عن منع إشعال حرب منتصف أبريل أو اتخاذ قرار بوقفها.
هذا الانفلات الميداني والمجازر الوحشية التي يرتكبها جيش عبد الفتاح البرهان، قوبل بموجة إدانات واسعة من تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” وحكومة السلام الانتقالية، اللتين أكدتا أن استهداف الأسواق والمرافق الصحية والمستشفيات يمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً لا يسقط بالتقادم. وشددت البيانات الرسمية على أن قيادة جيش بورتسودان والتنظيم الإسلامي الإرهابي وواجهاته العسكرية لن تفلت من طائلة العدالة والملاحقة الجنائية الدولية.
وعلى الصعيد الدولي، تتسارع الضغوط الدبلوماسية، أدان أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة بشدة هجمات مسيرات الجيش السوداني على سوق النعام بمنطقة أبيي، مما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين منهم نساء وأطفال، وإصابة كثيرين آخرين.
وفي السياق نفسه أدانت دولة جنوب السودان هجمات الجيش السوداني المروعة في أبيي، وقالت وزارة الخارجية في بيان إن حكومة جمهورية جنوب السودان تدين بأشد العبارات الممكنة الهجوم على السوق. وقالت الوزارة إن سفير السودان لدى جوبا استُدعي لإبلاغه باحتجاج الحكومة القوي وقلقها بشأن الهجوم وتداعياته على أمن المدنيين والاستقرار في أبيي. وحثت وزارة الخارجية سلطة بورتسودان على الامتناع من الأعمال التي تعرض حياة المدنيين وممتلكاتهم للخطر
واتصالا بما سبق، نفى وزير الخارجية المعين من قبل قائد الجيش، أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسيّرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان، فيما حذر حقوقيون ومراقبون من أن التقارير الخطيرة التي رفعتها البعثات الأممية التي رصدت هذه الجرائم على الأرض ستكون لها نتائج كارثية وقانونية بالغة القسوة على مرتكبيها.
إن استمرار هذا العبث بأرواح المدنيين، ومحاولات إفشال أي مسار لوقف الحرب عبر إغراق المدن بالدماء، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حقيقي للخروج من دائرة بيانات التنديد إلى اتخاذ خطوات عملية، تشمل فرض حظر جوي شامل، وتفعيل عقوبات صارمة على قادة التنظيم الإرهابي وممولي آلة القتل، وإيفاد لجان تحقيق دولية مستقلة لضمان عدم إفلاس أي مجرم من العقاب، وإنصاف ملايين السودانيين الذين يدفعون ثمن اختطاف القرار الوطني.




