رأي

الفاشر تحتَضر… ومناوي يُغرِّد بالنصر من فوق الركام!

علي أحمد

في الفاشر، لا يحتاج أهل المدينة إلى بيانات “القوة المشتركة” ليدركوا أين يقع خط النار؛ يكفي أن يرفعوا رؤوسهم فيسمعوا هدير مدافع قوات الدعم السريع وهي تقضم الأحياء واحداً تلو الآخر. ورغم هذا الواقع الفولاذي، يخرج مني أركو مناوي ورُسله ليل نهار معلنين “انتصارات كاسحة” على قوات الدعم السريع. السؤال البسيط: لِمَ هذا الإصرار على الكذبة، وقد صار الحصار خانقاً إلى حدّ أن الأمم المتحدة تتحدث عن نصف مليون نازح خلال شهرين فقط؟

منذ مطلع إبريل، أطبقت قوات الدعم السريع على الفاشر من ثلاثة محاور، قاطعة خطوط الإمداد من مليط وكبكابية، ومعها تخنقت مخازن الذرة والدواء داخل المدينة.
التقارير الأممية تتحدث عن قصف متكرر لملاجئ النازحين والمستشفى السعودي، أسفر عن عشرات القتلى والجرحى. وعلى الأرض، لا تملك “القوة المشتركة” — تحالف بقايا الحركات الدارفورية وعناصر من الجيش — سوى حفنة عربات “تايوتا” مسنودة بطائرات سلاح الجو التي لا تستطيع الطيران أكثر من طلعتين يومياً بسبب نقص الوقود وتهديد الدفاع الجوي المحمول لقوات الدعم السريع.

مع كل هجوم يُصدّ مؤقتاً، يطل مناوي ليعلن “سحق العدو”، ثم يضيف أرقاماً فلكية عن قتلى قوات الدعم السريع: 15 ألفاً هنا، 400 هناك. لو جمعنا حصيلته المعلنة لَما بقي من قوات الدعم السريع إلا بضعة سائقين! لكن خارطة السيطرة تكذّب الأرقام: قوات الدعم السريع تمسك بزمام الطرق وموارد المياه، وتخوض حرب استنزاف تعلم أنها لن تُحسم بالخرطوش بل بالمجاعة.

لماذا يكذبون؟ أولاً، لأن مناوي يعلم أن اعترافه بتقهقر قواته يعني انهياراً معنوياً داخل المدينة، وربما تمرّداً في صفوف قواته نفسها. ثانياً، لأنه يفاوض العسكر ومصر وتشاد على أدوار ما بعد الحرب، وإظهار الضعف يطيح بسعره في المزاد السياسي. ثالثاً، لأن الإعلام الدولي أصبح ميداناً للحرب، وفي مواجهة آلة دعاية قوات الدعم السريع التي تبث مقاطع السيطرة على المعسكرات والمخازن، يحاول مناوي صناعة سردية مضادة، ولو كانت من هواء. وأخيراً، لأن استمرار تدفق الدعم المالي من الخرطوم أو الخارج مشروط بأن تبدو “القوة المشتركة” فاعلة، لا محاصَرة تنتظر النجدة.

المفارقة أن مناوي، الذي عيّنه البرهان “حاكماً لإقليم دارفور”، صار حاكماً لأسوار مدينة وحيدة تكاد تغرق في الرماد. يذكّرنا بتلك الجوقة في أوركسترا تايتانيك التي ظلّت تعزف حتى انقسمت السفينة نصفين؛ الفرق هنا أن قائد الفرقة يصرّ أن المحيط مجرّد بركة سباحة، والصفارة التي يسمعها الركاب ليست صافرة إنذار بل ناي راعٍ في السهوب!

الوقائع على الأرض تقول إن سقوط الفاشر احتمال واقعي ما لم تصل تعزيزات حقيقية، لا تغريدات انتصار. وفي اليوم الذي تقتحم فيه مركبات قوات الدعم السريع سوق “المواشي” وسط المدينة، لن يتبقّى لمناوي سوى خطاب أخير يتحدّث فيه عن “انسحاب تكتيكي” نحو الفضاء الخارجي. وحينها، سيكتشف أهل الفاشر أن أخطر ما واجهوه لم يكن القصف، بل طمأنةٌ كاذبة حوّلت المدينة من حصن مقاوم إلى فريسة تنتظر قضمة أخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!