رأي

السلام التأسيسي: من الدولة الموروثة إلى الدولة التي تؤسسها الإرادة الوطنية

عبدالله ديدان

عبدالله ديدان يكتب:

لم تكن أزمة السودان في الحروب المتكررة وحدها، وإنما في الدولة التي ظلت عاجزة عن إنتاج سلام مستدام، منذ أن تمت تسوية الاستقلال، تعاقبت الحكومات والأنظمة السياسية وتغيرت موازين القوى ووقعت إتفاقيات سلام عديدة، لكن السؤال الأساسي ظل غائبا، أي دولة نريد أن نبني،

لقد تعاملت النخب السياسية مع أزمة الدولة غالبا بإعتبارها أزمة حكم، بينما هي في جوهرها أزمة تأسيس، فالمشكلة ليست فقط في من يحكم السودان، بل تكمن في طبيعة الدولة نفسها وفي الطريقة التي تم بها توزيع السلطة والثروة و علاقة المركز بالأقاليم و إعتراف الدولة والمشروع السياسي الذي يقودها بالتنوع وحماية حقوق جميع شعوبها، هنا تبرز فكرة السلام التأسيسي بإعتبارها إنتقالا من إدارة النزاعات إلى إعادة تأسيس الدولة على أساس الإرادة الوطنية، إذ أن الدولة الموروثة من المستعمر ومشروعها السياسي، قد ولدت على مراحل متعددة، لكنها ظلت تعاني طوال عمرها من أزمة غياب رؤية التأسيس، حيث ورثت نخب المشروع السياسي الموروث ، مؤسسات دولة حديثة، لكنها لم ترث بالضرورة مشروعا وطنيا مكتمل الأركان ولم تعمل على تحرير نفسها من الإرث الإستعماري الذي أنتجها، حيث إستمرت فى الحفاظ على هذا الإرث الإستعماري، الذي يتمظهر فى بنية الدولة المركزية وأنماط الإدارة والاقتصاد والسياسة التي تشكلت في الحقبة الاستعمارية، فلم تسعي الى بناء عقد إجتماعي جديد يحرر الشعوب السودانية من مشروع المستعمر و يستوعب التنوع السوداني ويعيد توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة، وهكذا أصبحت الدولة في كثير من الأحيان أداة للسيطرة السياسية أكثر من كونها إطارا لتحقيق المواطنة المتساوية.

ومع مرور الزمن، تحولت المنافسة على الدولة إلى صراع حول من يملك المركز ومن يسيطر على مؤسساتها ومن يحدد أولوياتها ومن يستفيد من مواردها وفي المقابل، مناطق ومجموعات إجتماعية واسعة وجدت نفسها، خارج دائرة الدولة أو على هامشها، الشئ الذي يمكننا من فهم، لماذا ظل السودان منذ العام ١٩٥٥، يشهد حروبا متصلة وهي فى حقيقتها، تعبير مباشر عن أزمة الدولة الموروثة وغياب رؤية تأسيس دولة التحرر الوطني، و على الرغم من إتفاقيات السلام العديدة، من لدن إتفاقية أديس أبابا إلى نيفاشا و أبوجا و جوبا، وغيرها من المبادرات والترتيبات السياسية، ورغم أهمية هذه الاتفاقيات، إلا أنها لم تحقق سلاما مستقرا فى السودان، وذلك لأن أحد أوجه قصورها الأساسية، هو أنها تعاملت مع الصراع السوداني، بإعتباره نزاعا بين أطراف تحتاج إلى تسوية، أكثر من كونه أزمة عميقة في بنية الدولة، ماعدا إتفاقية سلام نيفاشا التى حاىل فيها دكتور جون قرنق مخاطبة أزمة غياب التأسيس، لكن عمق الأزمة نفسها هزم مشروع قرنق للسودان الموحد، فإختار الجنوب الإستقلال والخروج من السودان القديم.

فقد جرى في أحيان كثيرة توزيع المناصب وإنشاء مؤسسات انتقالية ومنح حصص سياسية وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف، دون أن يحدث تحول جذري في طبيعة الدولة، وهكذا أصبحت تجارب إتفاقيات السلام فى بلادنا، عبارة عن تسويات مؤقتة للصراع على الدولة، بدلا من أن تكون مشروعا لإعادة تأسيس الدولة وفق رؤية وطنية تنتجها الشعوب السودانية لإستعادة دولتها من ورثة المستعمر.

لذلك مفهوم عمليات السلام التأسيسي، هو عملية تغيير إتجاه بوصلة العملية السياسية من إيقاف الحرب إلى إنها الحروبات فى السودان، عن طريق مجادلة من يحكم السودان، فالسودان يجب أن يحكمه السودانيون جميعا، إنما يبحث السلام التأسيسي فى كيف يجب أن تؤسس دولة سودانية جديدة، تصبح ملكا لكل شعوبها وقادرة على مخاطبة المظالم التاريخية وغياب الدولة الوطنية وفشل المشروع القديم ، هذا المفهوم يشكل تحولا بالغ الأهمية إذا أردنا تحقيق سلام مستدام ومستقر، لأنه ينقل عملية السلام من التفاوض بين النخب إلى مشروع وطني أوسع، يفتح الباب أمام كل الشعوب السودانية للتخطيط لمستقبل وطني كامل التحرر ، وإستعادة الدولة من براثن ورثة الإستعمار وإيقاف التمزق التاريخي والممكن تكراره، فالهدف من صناعة السلام التأسيسي، ليس فقط أن تتفق الأطراف المسلحة والسياسية على تقاسم السلطة، إنما أن تتفق الشعوب السودانية على الأسس التي تقوم عليها الدولة، وهي المواطنة، العدالة، الحقوق، الحريات، توزيع السلطة والثروة، شكل ونظام الحكم، علاقة المركز بالأقاليم وتعريف وتأسيس القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وماهو دورها كواحدة من مؤسسات الدولة الديمقراطية.

 لذلك يكمننا القول بأن الدولة التي تؤسسها الإرادة الوطنية، ليست دولة تصنعها مجموعة سياسية واحدة ولا دولة تفرضها قوة عسكرية ولا دولة ترسم حدودها السياسية من خلال إتفاق بين النخب، فالإرادة الوطنية تعني أن يكون تأسيس الدولة نتاجا لعملية سياسية وإجتماعية شاملة، تشارك فيها الشعوب السودانية بتنوعها والأقاليم والمجتمعات المحلية والقوى المدنية والسياسية والنساء والشباب والمهنيون والنازحون واللاجئون والضحايا وكل الفئات التي تشكل صورة المجتمعات السودانية.

إن التأسيس الوطني لا يعني أن الجميع يجب أن يتفقوا في كل شيء، إنما يعني الإتفاق على قواعد الإختلاف نفسها، بمعني كيف نختلف دون حرب، كيف نتداول السلطة دون إقصاء، كيف نحتكم إلى القانون وكيف نضمن ألا تظل الدولة إلى غنيمة للنخب وريثة المستعمر، فالمواطنة الفعلية، وهي من إشتراطات مفهوم السلام التأسيسي المفضي الى الوصول الى الدولة الوطنية، لا تقاس فقط بوجود دستور أو إنتخابات أو مؤسسات رسمية، إنما معيارها هو مدى شعور المواطن بأن حقوقه مصونة وأن الدولة تعامله باعتباره مواطنا كاملا، لأنه يملكها دون تمييز بينه والمواطنيين الآخرين الذين يملكون الدولة بذات المساواة، لذلك المواطنة هي حجر أساس السلام التأسيسي، لأنها تعني إن الحقوق لا تتحدد بالعرق أو القبيلة أو الجهة أو الدين أو اللغة أو الانتماء السياسي، فجميع المواطنين متساين أمام القانون و فرص المشاركة في مؤسسات الدولة والتنمية والخدمات متاحة على أساس 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!