ردًا على مقال طلاب دارفور في رحاب الشريط النيلي: لا تزيّفوا المأساة ولا تبيعوا الحقوق على هيئة مكرمات

منال علي محمود
manal002002@gmail.com
نُشر مؤخرًا مقال للدكتور عبدالرؤوف قرناص بعنوان طلاب دارفور في رحاب الشريط النيلي، أراد به صاحبه أن يُظهر استقبال طلاب دارفور النازحين في ولاية نهر النيل وكأنه فتح وطني مبين ولوحة مضيئة في زمن الظلام، بينما الحقيقة الواضحة لكل من لم يُحقن بمخدر التجهيل هي أن ما حدث فضيحة مكتملة الأركان لا تستوجب التبجيل بل تستوجب التحقيق والمساءلة
من شُرّد من داره ومنطقته وقُطعت عنه خدمات التعليم لا يُشكر من سمح له بأداء الامتحان في منطقة أخرى بل يجب أن يُسأل من جعل تلك المناطق غير صالحة للحياة أصلًا من دمّر المدارس من حاصر الجامعات من تسبب في أن يكون آلاف الطلاب خارج مناطقهم الأصلية
أن يتمكن الطالب من أداء الامتحان ليس بطولة بل الحد الأدنى من أبسط حقوقه
أن يُسمح له بذلك ليس مكرمة من الدولة بل اعتراف صامت منها بفشلها في أداء واجبها الأساسي وهو حماية حياة الناس وتأمين الخدمات في كل الأقاليم
ثم نأتي للجانب القانوني
السودان موقع على اتفاقيات الحريات الأربع مع دول الجوار وتحديدًا مصر إثيوبيا جنوب السودان وتشاد ويمنح بموجبها الأجانب حق التنقل التملك الإقامة والعمل فإذا كان الأجنبي في هذا البلد يُعامل بهذه الحقوق القانونية فهل يُعقل أن يُقدَّم استقبال طالب سوداني من دارفور في ولاية نهر النيل وكأنه منحة وكرم لا يوصف هل نزل طلاب دارفور من كوكب آخر أم أن العقلية المركزية لا ترى فيهم مواطنين بل ضيوف محتملين
بل أكثر من ذلك لو كان طلاب دارفور لاجئين أجانب لكان من واجب السودان بموجب اتفاقية جنيف لحماية المدنيين في أوقات الحرب أن يوفّر لهم الحماية والخدمات الأساسية والتعليم فكيف تُقدَّم هذه الحقوق حين يحصل عليها مواطن في وطنه وكأنها معروف أو رسالة محبة
الخلل ليس في دارفور ولا في طلابها بل في خطاب مركزي مصاب بالامتياز يرى نفسه الأصل ويطالب الآخرين بالامتنان لمجرد معاملتهم كبشر
ما هذا الوطن الذي لا يتذكرك إلا حين تهرب إليه نازحًا ثم يعاملك كمن يستضيفك وليس كمن هو ملزم بحمايتك
ثم نأتي لأخطر ما في المقال استخدامه لنبرة الوصاية الوعظية يطالب أبناء دارفور بعدم الاستجابة لأيادٍ خارجية وكأن خراب الداخل كان بفعل الريح
ومن الذي دمّر الداخل يا دكتور
من فجّر الحرب
من تواطأ بالصمت أو التحريض
من استساغ دماء الآخرين باسم السيادة والأمن القومي
من خطط وأدار وغطى الجرائم
ومن يكتب اليوم ليسوّق نفسه كصاحب ضمير وهو يعلم تمامًا كيف تمّت الجريمة
وهنا نطرح أسئلة أكثر إحراجًا
هل سبق أن طُلب من أحد أبناء الشريط النيلي المقيمين في دارفور موافقة أمنية ليستأجر بيتًا
هل خضعوا للتفتيش بسبب ملامحهم
هل أُطلق عليهم مصطلح الوجوه الغريبة
هل أُهين أحدهم في مدرسة أو مسجد
هل طُردوا من الداخليات أو جُرّموا بناء على هويتهم
هل سُحبت منهم أوراقهم الثبوتية
هل مورست ضدهم حملات ترحيل جماعي أو تصنيف عرقي
الإجابة لا
بل عاشوا في دارفور كأهل بلا مساءلة بلا رقابة وبكرم حقيقي غير ملوّث بعقد التفوق ولا بشهوة التوثيق
لكن حين صار الحال بالعكس ظهرت عقلية المركز وارتدى الجلاد ثياب المخلص وصار الواجب الطبيعي مناسبة للمديح الذاتي
وهنا لا بد من التوضيح أن امتناع أهل دارفور عن معاملة أبناء الشريط النيلي بالمثل ليس لأنه لا يمكن بل لأنه انحدار لم نرضَ خوضه
احترام الناس لأنفسهم لا يُقاس بقدرتهم على الانتقام بل بقرارهم ألا يتورطوا في غُبار العنصرية حتى وإن ذاقوا طعمها
نحن لا نطلب فضلًا من أحد
ولا نُطالب بمكرمة
بل نُذكّركم فقط أن من قاد الحرب وأحرق الأرض وهجّر الناس هو نفسه اليوم من يسوّق نتائج الكارثة كأنها لوحة وطنية ويدوّن اسمه ضمن فرسان الخير
ونقولها أخيرًا وبوضوح
نحن لن نغادر هذا البلد ولن نصمت على الظلم وسنسمّي من تسبب فيه حتى آخر لحظة من قدرتنا على الكتابة والكشف والمساءلة




