رأي

جوهرة تُنهب إسمها غرب كردفان

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في قلب السودان تقف غرب كردفان، ولاية تختزن من الخيرات ما يكفي ليجعلها في مصاف أكثر الأقاليم ازدهارًا في أفريقيا، لكنها – ويا للمفارقة – تعيش على هامش التنمية، كأنها لا تنتمي إلى ثروتها ولا تنتمي ثروتها إليها.

غرب كردفان ليست أرضًا فقيرة تبحث عن معجزة، بل ولاية غنية تبحث عن إدارة نزيهة،فيها معظم نفط السودان، وفي باطنها طاقة كان يفترض أن تغيّر وجه الحياة فيها.

يوجد بها أكثر من 250 نوعًا من الأعشاب، وأكثر من 65 نوعًا من الأشجار، ودلتا دلا مفروش التي تفوق في إمتدادها دلتا القاش في كسلا، وأودية فيضية تتقدمها وادي شلنقو ووادي الغلة، ببحيراتهما المنتشرة: أبوقلب، أبوزبد، السنيطة، السنوط، زرقا أم قربوبة، توتوه، كتنـاه والبردية،إنها جغرافيا تفيض بالحياة، لكن السياسة فيها جففت المعنى.

السؤال ليس لماذا لم تتطور الولاية، بل من الذي تعمّد إبقاءها متأخرة؟

موارد غرب كردفان لم تكن يومًا مجهولة أو معدومة، بل كانت منهوبة،وعلى مدى عقود، ظلت ثرواتها تُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة،غير أن النهب الأفظع تم في عهد حكم عمر البشير و المجرم أحمد هارون، حيث تحولت موارد الولاية إلى خزائن سرية تُدار في الغرف المغلقة، بعيدًا عن أعين أهلها.

نهب البترول تحديدًا كان الجرح الأعمق،لم يُفصح يومًا بشفافية عن حجم الإنتاج الحقيقي، ولا عن عائداته، ولا عن نصيب الولاية منها،أرقام تُتلى في الخرطوم، وأموال تتحرك في الظل، بينما طرق الولاية ترابية، ومستشفياتها خاوية، ومدارسها بلا مقومات.

من كان يجرؤ على السؤال عن الظلم كان يُقصى أو يُرهب أو تُشترى ذمته بأبخس الأثمان.

لم يكن البترول وحده الضحية،الموارد الغابية أُستُنزفت بقطعٍ مقنن في الظاهر، منفلت في الحقيقة،الصمغ العربي سُرق من عرق المزارعين،المحاصيل الزراعية بيعت بأثمان بخسة، والثروة الحيوانية تحولت إلى تجارة نافذين لا يعرفون من الولاية إلا اسمها.

المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين،لكن إنسان غرب كردفان لُدغ أكثر من مرة، وأكثر من جيل.

هل آن الأوان لشباب الولاية الشرفاء أن ينهضوا لحراسة ثرواتهم وفرض الشفافية والمساءلة؟ أم سيُعاد إنتاج ذات الحلقة، بذات الوجوه أو بوجوه جديدة؟

“جرادية في خشم دابي ما بعضي”، إلى متى تمتهن بعض النخب التغذية على الجراد، وأمامها متسع الزرع الطيب؟إلى متى تبقى الجوهرة في يد السارق، بينما صاحبها ينتظر الفتات؟

إن غرب كردفان لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى عهد جديد:عهد تُكشف فيه الأرقام، وتُحاسب فيه الأيدي، ويُعاد فيه تعريف السلطة بأنها أمانة لا صفقة،

فإما أن تُسترد الجوهرة إلى أهلها،أو أن يبقى التاريخ شاهدًا على جريمة اسمها: نهب غرب كردفان.

ولنا عودة بإذن الله

الأربعاء،٢٥فبراير/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!