

تعتبر رقصة المردوم من أشهر الرقصات الشعبية عند البقارة. انتقلت شفاهيا الي اعداد مقدرة من القبائل الاخري .ثم ازدهرت و اصبحت رقصة قومية معروفة لكل السودانيين .لقد أثبتت رقصة المردوم جدارتها عبر التاريخ .و اكدت قدرتها علي الاستمرارية والمواكبة،ورغما عن تاثرها بالظروف والمتغيرات المحيطة بها، تطور الأداء فى اقليم كردفان بشكل خرافي . لا يكمن أن يتصوره الإنسان _ خاصة عند مجموعات (المسيرية و الحوازمة والكنانة) وغيرهم من القبائل المجاورة. إن جوهر أغنيات المردوم هو النصح ، الإرشاد والذي يتم عن طريق المدح و الذم (المشكار و المعيار) ، و ظاهرها هو اللعب( الترويح عن النفس). وحيث يقولون (ماشين اللعب وجايين من اللعب ).و اغنيات المردوم تحث الشباب على الطيبة والكرم، والعمل و الزواج ، والشجاعة َو الفروسية والحكمة والراي و الصبر والثبات.
لقد ابتكر البقارة رقصتهم من جكة التور و حركة الحصان (Horse movement) ، بداية بغناء الفنجفانج ، ثم تمرحلت إلى غناء المردوع وصولاً إلى المردوم و أسلوبه الجماعي (بنات و أولاد) ؛ البنات يقمن بالتصفيق و الغناء معاََ ، و يشارك بعضهن في الرقص أثناء مرور الروق (صف الصبيان) أمامهن ، و يصطففن في شكل قوس نصف دائري أو في خط مستقيم . و في غناء المردوم أسرار و خفايا عديدة ، كوقوف البنات باتجاه الشرق (صباح) تجاه القبلة : لسببين الأول تحاشياََ لأشعة الشمس الحارقة و يجعلنها خلف ظهورهن. حيث يبدأ الرقص أحيانا بعد الظهيرة وعند قيلة العريس.و السبب الثاني شوقاً و حنيناََ للجزيرة العربية التي هاجر منها اجدادهم الاوائل إلى شمال ، واوسط ،و غرب إفريقيا ، وبعد انهيار دولتهم الإسلامية في الأندلس. كما نلاحظ ان هنالك قواسم مشتركة بين ايقاع المردوم وموسيقي الفلامينكو في اسبانيا.
و يلعب المردوم عادة على أرض نقعة (قرود) أو علي تربة جافة أو صلبة حرصاََ على وضوح الإيقاع (صوت الأرجل) ، و تفادياََ للغبار الناتج عن ضرب الأرجل . و يستعين الراقصون بالعصي ، و أم كرتبو و الفرار و القرجة ، و غيرها من الأدوات المكملة للمظهر .و البنات يلتزمن الزي الشعبي المستخدم في النقارة ، أيضاََ ، مع تأنقهن التام بشتي أنواع الحلي و الزينة (الأكسسوارات الشعبية) مثل السكسك و التمايم و ريش النعام و الكشكوش و الودع و الغوايش و الشف و الشنيف و العاج ، و يتلطف الجو بشتي أنواع العطور إذ تتوشح ضفائر البنات بالتربلول . و ينقسمن إلى حكامات و شيّالات، يتشاطرن معاََ أداء الأغنية. و هي عبارة عن بيت شعر أو مقطع واحد يردد بالتناوب و علي نحو متواصل ،إلى أن يتم الانتقال إلى الأغنية التي تليها ، و هكذا يستمر الحال مع الالتزام التام باللهجة المحلية ، و في الأغنية تنسجم الأصوات و يتناغم الهارموني و تتجلّي ملامح الموسيقي العربية الحنينه و العاطفيه التي تتسرب إلى قلوب الحاضرين دونما استئذان. و ينتشر المقام الموسيقي السباعي في كردفان ودارفور وشرق السودان وبعض أجزاء النيلين الابيض، والازرق . و عندما يسمع الصبيان غناء المردوم يتركون كل شئ و يتجهون مسرعين صوب ساحة اللعب التي ليس فيها متفرج ؛ إذ يتفاعل الجميع مع الأداء حماساََ ، و يتعزز الشعور بينهم بالوحدة والانتماء. و ترى كبار النساء و الحبوبات وقوفاََ وراء الحكامات ، بهدف التنبيه والتصحيح .
و يرقص الشبان ، في مجموعات متنافسة ، و لا يشترط أن يكونوا من قبيل واحد، أو بطن أو فخذ أو خشم بيت واحد ، بل يفسح المجال للكل للمشاركة الحرة ليس فيها من قيد إلا اشتراط الانضباط بقواعد اللعبة. و تتباري جماعات الشباب في النقعة _ الدارة ، حسب الترتيب أو حسب الأسبقية الزمانية أو المكانية ، و لكل مجموعة قائد يضبط حركة إيقاعها، وينظّم تشكيلها في شكل رتل منفرد غالباََ ، و المجموعة التي تبتدر اللعب تتحرك بعد توافق ضرب الأرجل مع الصفقة و الغناء ، و عند بلوغ الروق (الصف) إلى منتصف القوس تحدث بعض الفواصل الإبداعية ،وهي عرضّية و تكمّيلية متقطعة هنا و هناك ، و غالباً ما تاتي في شكل مداخلات فنية من قبل بعض الشباب ، و تسمي *بالخلفة* ( Lavary) فوق الزمن الأساسي ، و عكس حركة الروق ، و يطلقون عليها *توريد الكمشة أو شراب ألمي*، و تظهر فيها المهارات الفردية الخاصة التي تمكن صاحبها من الحصول على الشبّال .
و المردوم ينقسم إلى نوعين.النوع الاول :هو المردوم التقيل وينتشر بكثافة عند الحوازمة و جيرانهم، ويطلق عليه بالمردوم الحازمي، و يتميز بأنه تقيل و رايق يعتمد على القوة الجسمانية، و فيه تظهر الكلمات و تتجلي مخارج الحروف وبشكل واضح في كل أغنية. فغناء الحازميات هادي ورايق يغلب عليه الطابع السماعي حيث لا يكثرن من الهمهمة او البوبوة، إلا في مواضع معينة من الاغنية و عند الضرورة القصوى ، و يعزى سبب ذلك لكون الحوازمة مستقرين نسبياً ، و تتحرك ضعائنهم في مسارات و مراحيل معروفة ، و يسيرون مسافات محدودة ذهاباً و إياباََ في الصيف والخريف. و من أشكال المردوم الحازمي الكادر و الكرفاي و القانش و الرديف. و أما النوع الثاني، من رقصة المردوم :هو المردوم السريع ويطلق عليه بالمردوم المسيري. ويتميز بانه سريع واستعراضي و يميل إلى الخفة و الرشاقة وهو عبارة عن مسرح فلكلوري مكتمل الاركان . والمسيريات عند غناءهن للمردوم احيانا يأكلن الكلام، وقد لا تظهر المخارج وبشكل واضح في بعض المواضع من الاغنية( swaLLow the verbs) وهن الابرع في الهمهمة، ويعزي السبب في ذلك، أن المسيريه أكثر حركةََ و ترحالاََ من الحوازمة، وقد يكونو على عجل ، و أثناء الختيت ، النزل ، بالهم في الرحيل (المسار) .
و تتطابق القبيلتان ، الحوازمة و المسيرية ، في الميزان و الإيقاع و الصفقة و الزي و الأكسسوار ، و يمكن لشباب الحوازمة الرقص مع المسيريات ، و العكس صحيح ، مع احتفاظ كل منهم بخصوصية الأداء _ أي الرقص _ و يلعب المردوم في العرس و الطهور ، و الأعياد و عند عودة الحجيج ، و عند رجوع المغترب (المسافر) ، و في بعض المناسبات الخاصة و العامة .ويعتبر المردوم هجين افريقي عربي. تظهر ملامحه الافريقية في اسلوب الرقص واللعب والزي والاكسسوار ،وتظهر ملامحه العربية في الموسيقي والالحان، وفي التمتمة والتنغيم،وفي الصفقة و اللهجة .
و من أشهر الحكامات حوة السافنجة ، و رخية المايقوما ، و الشباية ، و زهرة الضو ، و القرقر ، و من أطرف الراقصين المكي مقدم (عزيبة) ، و برز منهم حامد المجروس ، و من أمّيزهم عيسي الراجمة الذي ترتفع طاقيته المشهورة في الهواء علواََ أثناء رقصه إلى أعلى مستوياتها. ثم تعود لمستقرها (فوق رأسه) دون أن تقع على الأرض ، أو أن يلتفت إليها ، مواصلاََ أدائه المميز، الذي يدخل البهجة و المسرة في نفوس الناس ، و كلهم فرح يعلق و يشكر . و من أغنيات المردوم ( _جدي السمري لونه ، الناس ساروا خلوني _ تومي_) .
و في غير كردفان المردوم موجود في عدة مناطق في السودان ، منها دارفور و النيلين الابيض والأزرق .كما ينتشر في دولة تشاد عند مجموعة من القبائل العربية ومن ضمنها قبيلة دار جواد (فرع من الحوازمة) في منطقه أم التيمان .وغناء المردوم وصل إلى إذاعة ام درمان منذ وقت مبكر ، و سبق في وصوله إليها عدداََ كبيراً من الإغنيات الجنيدية .كما نلاحظ ان المردوم وجد حظه من الانتشار بفعل ظهور الرعيل الأول من رواد الفن الكردفاني ، و أبرزهم الفنان الراحل المقيم إبراهيم موسي أبا (مطرب المطربين) ، و الفنان الراحل المقيم عباس عبدو ، و الدكتور عبد القادر سالم (ملك المردوم king of mardoom) ، و هم الذين قاموا بنقله من مرحلة الأغنية الشعبية التقليدية (بيت شعر أو مقطع واحد يتكرر) إلى مرحلة الأغنية الحديثة التي تتكون من ستة ابيات فما فوق . و يشترط في أغنية المردوم أن يتوافق النص مع خصوصية الإيقاع و أن يتعمق الشاعر في مفردات البيئة و يلتزم اللهجة الكردفانية عوضاََ عن تطور الخيال اللحني عند الملحن . نجد ان الأصل في تأليف غناء المردوم هو المرأة (الحكّامة) .و لما كان للضرورة أحكام ، برز العديد من الشعراء و الملحنين و الفنانين الذين اجتهدوا ، كل في مجاله ، حتي أصبح غناء المردوم مواكباََ للتطور المحلي و العالمي ، و مع أهمية ذلك أرى أنه لابد من رعاية التراث الشعبي علي أرض الواقع ، في البوادي و القري و الفرقان ، لأعتباره المنهل الحقيقي و المدرسة الواقعية التي يتخرج منها آلاف المبدعين .فضلا عن حماية القيم و الموروثات و التقاليد التي تقف سداََ منيعاََ امام الغزو الثقافي الأجنبي .
و يعاب على الموسيقيين ، خاصة الدارسين منهم و الباحثين و عازفي الآلات الايقاعية (الكنقا و الطبلة و الدرامز و الباركشن و الدنب و الزغب و الدقش) ، أنهم لم يجهدوا أنفسهم مشقة البحث عن الأشكال الايقاعية الأخري المرتبطة بتطور المردوم و المنتشرة في البيئة بل اكتفوا فقط بعزف الشكلين المعروفين ، لدي غالبية الوسط الفني ، اللذين وصلا عن طريق الرعيل الأول من فناني كردفان . و في الواقع توجد عدة أشكال لايقاع المردوم تتباين فيما بينها داخل الميزان ، و تتجدد من حين إلى آخر لرغبة الشباب (الصبيان) في اكتشاف أساليب جديدة في الرقص و الاستعراض تجديداََ و كسراََ للروتين ، و تفادياً للملل الناشئ عن التكرار ، و من تلك الأشكال القانش و الرديف عند الحوازمة ، بالإضافة لوجود عدد مهول من الأشكال (أساليب الرقص) عند شباب المسيرية مع سهولة ترجمتها إلى واقع ملموس يسهم في إثراء الساحة الفنية . و لضبط ايقاع المردوم يستخدم الشبان الأرجل و الكشكوش و الصفافير و الكرير (و الكرير في أصله صوت الثور) و المراكيب . و الحكامات يعتمدن الصفقة أثناء الغناء .
و أغنيات المردوم انتشرت واسعاََ لتتجاوز حدود الوطن ، حتى تغنت بها الفرق الاسبانية والليبية والجزائرية،وعدد مقدر من المطربين الأجانب آخرهم الفنانة الإسرائيلية رحيلة ، بفعل الأسطوانات التي تم تسجيلها في أوربا بالإضافة للرحلات الفنية الخارجية فضلاََ عن استمرارية عملية تواصل الأجيال التي انتجت جيلاََ طموحاََ له القدرة علي مواصلة المسير ، مثال الفنانة الاستعراضية الراحلة: شادن محمد حسين ( _سبارة أنا بغني بشكر في عيالي_) ، و الفنان هاشم بابنوسة ( _خيولنا الزينات قلاعات اللجم بنات سعدان اليوم فزعن لما عجاج الخيل توه فوقنا كتم_) ، و الفنان علي الرهيد ( _الضامر انشده في المرين هدا سرجك اب غردة مابشيلوه العدة_) ، و الفنان محمود الكردفاني (الشوقارة) ، والفنان سليمان احمد عمر (حوالي الساعة خمسة طريتا انشغل عقلي، ودوا السلام لي، روحي الفارقتني) و القائمة تطول . و لا يفوتني ايضا تثمين الدور الفاعل الذي تلعبه الحكامات و الشعراء ، و الملحنون و النقاد و الباحثون ، و كل المهتمين بتطوير التراث و الفلكلور الشعبي .




