

في كل مرة تلوح فيها فرصة لتحول سياسي حقيقي في السودان، سرعان ما تُجهض الآمال، ويُعاد إنتاج الأزمة من جديد. لا لأن البلاد تفتقر إلى الطاقات أو العقول، بل لأن النخب السياسية التي ظلت حاضرة منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم تُجِد فن مراجعة الذات، ولا تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، أو التراجع عن مواقع الفشل.
هذه النخب، التي كانت وما زالت جزءًا من الأزمة، تلبس رداء الحكمة والتاريخ، لكنها في حقيقتها مأزومة بماضيها، ومأخوذة بفكرة احتكار القيادة، وكأن الوطن لا يسع إلا فكرها، ولا يصلح إلا بتجربتها. في المقابل، لم تقدّم حتى اليوم أي نقد ذاتي جاد لمسيرتها الطويلة التي حفلت بالتراجعات والانقلابات والصفقات والخذلان.
غياب النقد الذاتي لم يكن مجرد سلوك سياسي، بل أصبح نمطًا ثقافيًا داخل مؤسسات الأحزاب والمنظمات والتنظيمات السودانية. فكل خطأ له مبرر، وكل فشل يتم تحميله للآخرين، بينما تُرفع لافتات البطولة التاريخية في كل مناسبة. وكأن التاريخ لا يسجل سوى ما يقولونه هم، لا ما عايشه الناس من خيبات متراكمة.
الخطير في الأمر أن هذه النخب لم تكتفِ بالبقاء، بل منعت غيرها من التقدم. فكل تجربة شبابية أو مدنية تحاول أن تقدم مشروعًا مختلفًا، تُحاصر بخطاب “الخبرة”، و”الحكمة”، و”المؤامرة”، فيغيب التجديد، ويتحول الفضاء السياسي إلى دائرة مغلقة من العجز والاتهام المتبادل.
أزمة النخب السياسية التاريخية ليست فقط في أخطائها، بل في رفضها المستمر للجلوس أمام مرآة النقد. لم نسمع يومًا باعتذار علني عن انقلاب، أو إخفاق، أو ميثاق نُقض، أو فرصة أُهدرت. لم نرَ استقالات أخلاقية، ولا مراجعات فكرية تواكب تحولات الشارع السوداني الذي أصبح أكثر وعيًا ومطالبة بالمحاسبة.
اليوم، يدفع السودان ثمنًا باهظًا لحرب طاحنة، وانهيار اقتصادي، وتشظٍ اجتماعي خطير. وفي خضم هذه الكارثة، لا تزال بعض النخب تتحدث وكأن شيئًا لم يكن، وتقدم نفسها كجزء من الحل، لا من المشكلة. هنا تحديدًا تكمن خطورة الأمر: الاستمرار في تدوير الأزمة، بنفس الأدوات، ونفس الذهنيات، ونفس الغياب الكامل للمساءلة الذاتية.
ما يحتاجه السودان ليس فقط قيادة جديدة، بل وعيًا جديدًا بفكرة القيادة. نحتاج لنخب سياسية تقر بأن المسار كان خاطئًا، وتفتح الباب لدماء جديدة، وأفكار مختلفة، وتقبل أن تكون جزءًا من التاريخ، لا عبئًا على المستقبل.
إن الوطن لا ينهض بنخب لا تسمع، ولا تبصر، ولا تعترف. وإن أولى خطوات الخروج من النفق تبدأ بنقد الذات، والتنازل الطوعي عن المشهد، لصالح أمل يولد من قلب الجراح.




