رأي

وعد الـ٦ أشهر: عبقرية كامل إدريس في إعمار الخراب بالتصريحات

 

علي أحمد

في بلدٍ ينزف من خاصرته المدمّاة، خرج علينا كامل إدريس، رئيس وزراء ما يُسمى حكومة الأمر الواقع، ليتلو علينا تصريحاً إنشائيًا يصلح لافتتاح معرض زهور، لا لمعالجة مأساة وطن تم تجريفه تحت الركام.

قال الرجل، في ثقة تكاد تلامس السذاجة، إنه “سيعيد إعمار العاصمة خلال 6 أشهر”، وكأنه يتحدث عن إصلاح واجهة متجر في أحد أحياء جنيف، لا عن مدينة أشبه بالمقبرة المفتوحة على كل احتمالات الدفن الجماعي.

لن نتساءل إن كان يملك ميزانية، لأن الإجابة معروفة. الرجل لا يملك حتى خريطة واضحة لما بقي من العاصمة، فهل تراه يمتلك مليارات الدولارات لإعمارها؟
ثم هل سمعتم إنه دعا شركات عالمية كبرى أو حتى محلية للقيام بهذه المهمة؟ أي شركةٍ هذه التي ستغامر بالاستثمار في جحيم مفتوح، حيث لا ماء، لا كهرباء، لا أمن، لا دواء، وحيث اللصوص يرتدون زي الجيش؟!
العاصمة اليوم تُدار بالكوابيس لا بالخدمات.
الكوليرا تحصد الأرواح، وأسراب المسلحين يجوبون الأحياء المهجورة، وينهبوا ما تبقى من ممتلكات، حتى المساجد لم تسلم.

فكيف يعدنا كامل إدريس، بنبرة قريبة من الخيال العلمي، أنه سيعيد “الخرطوم” خلال ستة أشهر؟
بأي معدات؟ بأي مهندسين؟ بأي مواد بناء؟ أم أن الرجل سيستخدم الهتاف بديلاً للطوب؟

لا شيء يبرر هذا الوعد الفارغ سوى أحد احتمالين:
1. إما أنه يكذب بوقاحة من أجل مكسب سياسي مؤقت.
2. أو أنه منفصل تمامًا عن الواقع ويعيش في عالم افتراضي من اختراعه.

في كلا الحالين، فإن المواطن لا يملك رفاهية السخرية من “رئيس الوزراء” بقدر ما يعاني من تبعات أكاذيبه.
لأن الساسة في بلادنا لا يبنون بالأفعال، بل بـ”المؤتمرات الصحفية”، ثم يتركون الناس تصارع الجوع والمرض والنسيان.

كامل إدريس لم يأتِ بمشروع، لم يعلن عن شراكة، لم يُصدر خطة إعمار، لم يدعُ البنك الدولي، لم يتحدث عن نزع الألغام، لم يطمئن الناس بشأن الأمان… فقط قال: “سنُعمر العاصمة خلال 6 أشهر”.
وبهذا يظن أنه أنجز، أو أقنع أحدًا، سوى من يريد تصديق الأوهام.
ألا يعرف هذا الرجل أن مدنًا في أوروبا أعيد إعمارها بعد الحرب العالمية الثانية خلال عقود طويلة؟
أم أنه يعتقد أن التصفيق يصنع المدن، كما كان يسود الهتاف في زمن الإنقاذ: “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”، فانتهى بنا الحال نأكل الرصاص ونلبس الرماد؟
كامل إدريس، إن أردت احترام الناس، فأعلن ميزانيتك، شركاءك، جدولك الزمني الواقعي، خططك التنفيذية، لا أن تتحدث عن إعادة الخرطوم خلال 6 أشهر كما يُعاد تأثيث شقة مفروشة في الرياض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!