
محمد حسين أحمد
تُعد قضية الفساد في السودان تأسيس من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، خاصة في ظل ظروف الحرب والتشوهات الهيكلية التي تراكمت داخل مؤسسات الدولة على مدى عقود طويلة. ولم يعد الفساد في السودان مجرد ممارسات فردية أو تجاوزات مالية معزولة، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية أثرت بصورة مباشرة على بنية الدولة ومؤسساتها، وأعاقت فرص الإصلاح والتنمية.
إن بناء نموذج إداري نظيف وفعّال في هذه الظروف الاستثنائية يتطلب الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الإجراءات العملية والآليات التنفيذية الصارمة. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تقديم نموذج إداري بديل في المناطق التي تقع تحت السيطرة المباشرة للقوى الفاعلة على الأرض، بما يسهم في استعادة ثقة المواطنين وإرساء قواعد دولة تقوم على النزاهة والشفافية.
ومن واقع الرؤية المرتبطة بجهود بناء مؤسسات الدولة في المرحلة القادمة، فإن مكافحة الفساد تتطلب استراتيجية شاملة تقوم على محورين أساسيين: الحسم الميداني والحوكمة المؤسسية. فالتجربة السودانية أثبتت أن الفساد لم يعد محصوراً في اختلاس المال العام فحسب، بل أصبح مرتبطاً ببنية إدارية معقدة تقوم على المحسوبية والبيروقراطية المفرطة وشبكات المصالح المتداخلة.
أحد أبرز مظاهر هذا الخلل يتمثل في ما يُعرف بـ”الدولة الموازية”، حيث تسللت عناصر مرتبطة بالنظام السابق إلى مفاصل الخدمة المدنية والعسكرية عبر سياسات التمكين التي أضعفت مؤسسات الدولة وأفقدتها مهنيتها واستقلاليتها. لذلك فإن أي عملية إصلاح حقيقية لا يمكن أن تتم عبر الوجوه القديمة أو عبر حلول جزئية، بل تتطلب إعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة المهنية والاعتماد على الكفاءات الوطنية الشابة والتكنوقراط بعيداً عن الولاءات الحزبية الضيقة.
كما أن تفكيك شبكات الفساد يتطلب منظومة رقابة فعالة تشترك فيها الأجهزة العسكرية والأمنية والمؤسسات المدنية، بحيث يتم إنشاء آليات رقابية مشتركة تضمن حماية الموارد العامة ومنع تسربها عبر شبكات المصالح المتجذرة.
وفي ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، تبرز الحوكمة الرقمية كأحد أهم الأدوات الحديثة لمحاربة الفساد. فالاعتماد على الأنظمة الإلكترونية في إدارة الموارد والتحصيل الضريبي والجمركي، خاصة في المعابر والمناطق الحيوية، يسهم في تقليل التعامل النقدي المباشر ويحد من فرص الرشوة والتجاوزات المالية. كما أن التحول نحو نظم الدفع الإلكتروني والرقمنة الإدارية يتيح إمكانية تتبع الموارد بدقة ويعزز الشفافية في إدارة المال العام.
ومن الجوانب المهمة كذلك تعزيز مبدأ الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية والاقتصادية، وذلك عبر الإعلان الدوري عن حجم الموارد المستخرجة مثل الذهب والمحاصيل الزراعية، وتوضيح كيفية توزيع عوائدها على الخدمات الأساسية والتنمية المحلية. فهذه الخطوة من شأنها أن تعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وتحد من ظاهرة النهب المؤسسي.
وفي السياق ذاته، يمثل فرض سيادة القانون في المناطق المحررة أحد الركائز الأساسية لمحاربة الفساد. إذ ينبغي إنشاء منظومة عدلية فعالة وسريعة عبر لجان قضائية مستقلة أو محاكم مختصة بالنزاهة، تتولى محاسبة أي فرد يثبت تورطه في استغلال النفوذ أو التعدي على ممتلكات المواطنين، سواء كان مدنياً أو عسكرياً.
كما أن حماية النشاط الاقتصادي تمثل جانباً محورياً في مكافحة الفساد الميداني، من خلال تأمين طرق الإمداد والتجارة ومنع الجبايات غير القانونية التي تثقل كاهل المواطنين وترفع أسعار السلع الأساسية. فهذه الممارسات تعد من أبرز مظاهر الفساد التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية.
ولا يمكن إغفال الدور المهم الذي يمكن أن تضطلع به الإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية في دعم جهود مكافحة الفساد. فالسودان يتمتع بتقاليد اجتماعية وإدارية راسخة يمكن توظيفها كآلية رقابية فعالة، من خلال إشراك القيادات المجتمعية في مراقبة توزيع الموارد والمساعدات، وتفعيل آليات المساءلة الشعبية التي تمكن المواطنين من الإبلاغ عن أي تجاوزات دون خوف.
إن بناء سودان جديد خالٍ من الفساد والتهميش لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إرادة سياسية واضحة وإصلاح مؤسسي عميق يقوم على الشفافية والمحاسبة وسيادة القانون. فالمعركة ضد الفساد ليست مجرد معركة إدارية، بل هي معركة من أجل بناء دولة عادلة قادرة على تلبية تطلعات شعبها وصون كرامة مواطنيها.




