
د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا
في الوقت الذي يتعمق فيه الجرح السوداني، ويبدو الأفق مسدودًا أمام الملايين من السودانيين العالقين بين النزوح والجوع واليأس، تُعقد اجتماعات دولية باسمهم، وتُناقش حلول لا يعرفون عنها شيئًا. آخر هذه الاجتماعات تعقده “الرباعية الدولية” في 29 يوليو، دون أي تمثيل حقيقي لأطراف النزاع أو حتى للمجتمع السوداني المنكوب. فمن تمثّل هذه الرباعية؟ ولمن تصنع “السلام”؟ ولماذا يشعر الناس بأن ما يُطبخ في الخارج لا يُطهى إلا على نار مصالح الآخرين؟
الأزمة في السودان لم تعد فقط صراع جنرالات أو حربًا أهلية بملامح قديمة، بل تحوّلت إلى مسرح مفتوح لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. فالرباعية – المكونة من مصر، السعودية، الإمارات، والولايات المتحدة – ليست كتلة متجانسة، بل أربعة أقطاب تتجاذب السودان من أطرافه، كلٌّ يسعى إلى قطعة من هذا البلد المنهك: نفط، ذهب، موانئ، أراضٍ، وموقع استراتيجي لا يُقدّر بثمن.
مصر: تهافت على النفوذ باسم “الأمن القومي”
مصر، الجارة الشمالية ذات الحضور التاريخي السلبي في الشأن السوداني، لا تُخفي طموحاتها. فهي تسعى إلى تشكيل حكومة “تُطبع على مزاجها”، تسهّل لها استنزاف الموارد، خصوصًا مياه النيل، وتمد لها اليد في الملفات الأمنية على حدودها الجنوبية. مصر اليوم ليست قوية اقتصاديًا، ولا مستقرة سياسيًا، لكنها تتصرف في السودان كما لو أنها الوصي الشرعي عليه.
هذا التدخل المصري المكشوف لا يروق لحلفاء المال والنفوذ في الخليج. حيث تنظر السعودية والإمارات إلى الحضور المصري بعين الريبة: كيف لدولة غارقة في أزماتها الداخلية، أن تدير وحدها الملف السوداني؟ وكيف يُسمح للقاهرة بأن ترسم مستقبل الخرطوم، هذا الصراع الصامت بين “الإخوة الأعداء” يجعل من الرباعية ساحة لتنافس المصالح، لا منصة لصناعة السلام.
أمريكا: الغياب المقنّع خلف أولويات أخرى
أما الولايات المتحدة، فحاضرة جسديًا وغائبة فعليًا. إدارة ترامب، رغم ما يُقال عن براغماتيتها، ليست معنية كثيرًا بسلام دائم في السودان. هي مشغولة بحروب كبرى: أوكرانيا، إسرائيل، التمدد الصيني، ومأزقها الداخلي المتفاقم. كل ما تريده واشنطن الآن من السودان هو توقيع سريع على اتفاقيات أبراهام، حتى وإن وقّعها من لا يُمثل شعبه، وحتى لو تم ذلك على أنقاض المدن المدمرة وأشلاء الأبرياء.
وهكذا يبدو أن الرباعية لا تسعى إلى حل حقيقي، بل إلى ترتيب وضع يناسب مصالحها. تعقد الاجتماعات، وتصدر البيانات، وتستعرض الجهود، بينما يُترَك السودانيون لمصيرهم: نازحون، جوعى، بلا أمل ولا حماية.
اجتماع بلا أصحاب القضية
أن تُعقد قمة دولية حول السودان دون حضور أي من فرقاء السلاح، أو الفاعلين المدنيين الحقيقيين، فذلك يعكس بوضوح أن السودانيين ليسوا طرفًا في هذه “الطبخة”. يُدار شأنهم كما لو كانوا مجرد حقل تجارب، أو قضية “أمن قومي” لدول الجوار. ومع ذلك، تُباع هذه الاجتماعات في الإعلام على أنها “محاولات جادة لحل الأزمة”.
لكن ما قيمة اجتماع دولي يُقصي أهل البلد؟ وما جدوى مبادرات تُفرض من الخارج بلا حوار داخلي أو اعتراف بتعقيدات الواقع؟ يقول المثل: “ما حكّ جلدك مثل ظفرك”، والسودانيون وحدهم من يستطيعون صياغة مشروع سلام حقيقي ومستدام، لأنهم وحدهم من يعرفون حجم الألم، وثمن الدم، وخسارة الأوطان.
من الرباعية إلى السداسية: مزيد من البُعد عن الحل
ومع انضمام قطر وبريطانيا إلى المشهد، تتحول الرباعية إلى “سداسية”، ويتعمق البعد عن الحل خطوة أخرى. كلما زاد عدد الوسطاء، زاد عدد الأجندات، وتبعثرت خارطة الطريق، وباتت الأزمة السودانية تُدار من غرف مغلقة، بينما يُطالَب الشعب بأن ينتظر “التسوية القادمة”، وكأنها معجزة ستُنزَل من السماء.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا. الجيش لا يزال يراهن على “الحسم العسكري”، ومن خلفه أطراف خارجية تُصرّ على أن مصلحة السودان تُحدّد من القاهرة أو أبوظبي أو واشنطن، لا من الفاشر أو مدني أو كادقلي. وفي الجهة الأخرى، يبسط الدعم السريع يده للحوار، فيما يُواجَه هذا الانفتاح برفض عنيد ومكلف. وبين هذا وذاك، يدفع المواطن الثمن وحده: قتلاً، تهجيرًا، وفقدانًا تامًا للثقة.
أيها القاتل والمقتول…
بين القاتل والمقتول، بين الجنرال والمدني، بين من ينتظرون في خيام النزوح ومن يتفاوضون في فنادق العواصم، يضيع الوطن. يُسلَب القرار، وتُشترى السيادة بالعملة الصعبة. أما الشعب، هذا الغائب الحاضر، فلا صوت له في مؤتمرات السلام، ولا رأي له في تشكيل الحكومات، ولا حصّة له في تقرير مصيره.
وهنا، لا بد أن نقولها بصوت عالٍ: الحل في السودان لا يُصنع في الرباعيات أو السداسيات. الحل يُصنع حين يتحدث السودانيون مع بعضهم بصدق، بعيدًا عن بنادق الوصاية، وأموال الخارج، وحسابات الجنرالات.
فليكن هذا الاجتماع الأخير الذي يُعقد باسمنا دوننا. وليكن هذا الجرح العميق فرصة لصياغة مشروع سوداني صرف، يُخرج الوطن من قبضة الدم والسلاح والمصالح الإقليمية. لا نريد وصفة قديمة لمرض قديم، بل نريد علاجًا يكتبه الجرحى لا الجراحون العابرون.




