حوارات

عضو مجلس التحرير القومي بالحركة الشعبية لتحرير السودان عمار نجم الدين في مقابلة مع “التنوير”

حوار: التنوير

قال القيادي البارز في الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال عمار نجم الدين أن إلتقاء الحركة الشعبية مع الدعم السريع وحركات العدل والمساواة وتحرير السودان وبقية الحركات الأخرى في مشروع “تأسيس” ليس فرضاً بل تقاطع نضالي طبيعي بين قوى أدركت حقيقة الدولة السودانية كمشروع استعماري داخلي.
وأوضح نجم الدين في مقابلة مع منصة “التنوير” أن تحالف تأسيس لم يبن على الإملاء بل على الوعي العميق بجذور المأساة السودانية وعلى ضرورة تفكيك الدولة القديمة بكل أدواتها بما في ذلك أدواتها داخل صفوفنا. وأكد أن إئتلاف “تأسيس” يمثل أول تحالف متجاوز للثنائية الكاذبة بين “المعارضة التقليدية” و”المركز السيادي”، ورأى أنه يمثل إمتداد لخط الكفاح البنيوي الذي تقوده الحركة الشعبية منذ تحالف كاودا.

دخول الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال – في تحالف تأسيس لم يكن انزلاقًا تكتيكيًا..

* ماهي دواعي دخول الحركة الشعبية في تحالف تأسيس بطريقة مفاجئة؟
المفاجأة لا تكون في الموقف، بل في أعين من تغافلوا عن التحولات البنيوية الجارية منذ ما بعد 15 أبريل 2023. دخول الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال في تحالف تأسيس لم يكن انزلاقًا تكتيكيًا، بل تموضعًا تاريخيًا طبيعيًا في لحظة وعي جماعي بالسودان كدولة استعمار داخلي. تأسيس يمثّل أول تحالف متجاوز للثنائية الكاذبة بين “المعارضة التقليدية” و”المركز السيادي”، وهو امتداد لخط الكفاح البنيوي الذي تقوده الحركة منذ مؤتمر كاودا.
* هل فرضت الحركة الشعبية أجنداتها على مكونات تحالف تأسيس دون مراعاة لمواقف القوى السياسية الأخرى؟
الحقيقة أن من يطرح هذا السؤال يُغفل أن مشروع “تأسيس” ليس نتاج أجندة جهة واحدة، بل هو خلاصة تراكم تاريخي لنضالات السودانيين ضد الدولة المركزية منذ 1956. مشروع السودان الجديد الذي تتبناه الحركة الشعبية لم يُفرض على أحد، بل استبقه كثيرون من مكونات “تأسيس” في تبنيه والدعوة إليه، وعلى رأسهم قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، الذي تحدث مرارًا – قبل أي تحالف – عن استغلال الدين، والتهميش، والتحالفات القبلية النخبوية، بل وصف نفسه وقواته بأنهم كانوا أدوات بيد المركز.( راجع خطابه الهام و التاريخيّ الذي تحدث فيه عن الظلم و استغلال الدين في الدولة و العلمانية و احترام التعدد و الأديان و الثقافات و ذلك في يوم ١ يناير ٢٠٢٥ م)

 الحركة الشعبية تقاتل منذ عقود ضد بنية السودان الاستعمارية الداخلية، لا فقط ضد جيوشها..

لذلك، فالتقاء الحركة الشعبية مع الدعم السريع وحركات العدل و المساواة و حركة تحرير السودان و الحركات الأخرى في مشروع “تأسيس” ليس فرضًا، بل تقاطع نضالي طبيعي بين قوى أدركت حقيقة الدولة السودانية كمشروع استعماري داخلي. كثير من مناضلي الدعم السريع، سواء من دارفور أو كردفان، كانوا جزءًا من الحركة الشعبية، لا لأنهم تبنوا أجندتها، بل لأنها عبّرت عن قضيتهم قبل أن تُتاح لهم أدواتهم المستقلة.
راجع ايضاً مقررات اسمرا للقضايا المصيرية ..
أما الجهات التي تتحدث اليوم عن “فرض الأجندات”، فهي غالبًا مجموعات ما تزال ترتبط ذهنيًا أو أيديولوجيًا ببنية المركز النيلي، بعضهم من خلفيات إسلاموية لم يقطعوا صلتهم بالمنهج الإقصائي الذي قام عليه النظام السابق، والبعض الآخر هم من يمكن وصفهم – بمصطلح تفكيكي – بـ”عبيد المنازل”: من تطبعوا مع السلطة المركزية، ويمارسون الابتزاز السياسي داخل “تأسيس” باسم التعدد، وهم في الحقيقة يمثلون أخطر تهديد لمشروع التغيير من داخل صفوفه.
تحالف “تأسيس” لم يُبنَ على الإملاء، بل على الوعي العميق بجذور المأساة السودانية، وعلى ضرورة تفكيك الدولة القديمة بكل أدواتها، بما في ذلك أدواتها داخل صفوفنا.

مشروع تأسيس ليس ضد أمريكا، بل ضد الخراب البنيوي الذي رعته النخب المرتبطة بها..

* حتى الآن لم يدخل الجيش الشعبي في معارك جادة مقارنة بقوات الدعم السريع، لماذا؟
السؤال يقوم على فرضية خاطئة، إذ لا يُقاس الفعل الثوري بعدد المعارك، بل بطبيعة الخصم والبنية المستهدفة. الدعم السريع يخوض حربًا مفتوحة منذ 15 أبريل 2023، وكان جزءًا من الدولة قبل أن يتمرد عليها، بينما الحركة الشعبية تقاتل منذ عقود ضد بنية السودان الاستعمارية الداخلية، لا فقط ضد جيوشها.
تحالف “تأسيس” لم يُعلن إلا في مارس الماضي، أي منذ أربعة أشهر فقط، وبالتالي المقارنة غير منطقية. ورغم أن الحركة لم تكن طرفًا مباشرًا في القتال، إلا أن موقفها بعدم الانحياز للفلول كان دعمًا سياسيًا مهمًا للدعم السريع. بل على العكس، هذا الحياد الثابت كلّفها الكثير: قصف، حصار، ومحاولات عزل، فقط لأنها لم تتماهَ مع مشروع المركز. ولو تبنّت موقف حركات دارفور الموالية للجيش، لانتهى مشروع السودان الجديد عند بوابة كاودا.
كما أن الحركة لم تكن مستعدة عسكريًا فور اندلاع الحرب، بخلاف الدعم السريع الذي فُرضت عليه المعركة. واليوم، بعد تحالف “تأسيس”، تُدار المعركة بعقل استراتيجي مشترك، لا بلغة الاستعراض، بل بمنهج التغيير البنيوي العميق. بالمنهج البنيوي التفكيكي، إليك إعادة صياغة دقيقة ومحكمة للسؤال والإجابة، تختصر المعنى وتفكك خطاب المحاصصة والإقصاء بطريقة سياسية وموضوعية:
* هل فعلاً ستستحوذ الحركة الشعبية على الوزارات الرفيعة في حكومة تأسيس؟
هذا الاتهام يعكس ذهنية المحاصصة القديمة التي أسقطها مشروع “تأسيس”. الحركة الشعبية لا تتعامل مع الوزارات كغنائم، بل كأدوات وظيفية لتنفيذ مشروع السودان الجديد، القائم على إعادة تعريف الدولة لا تجميلها. ومن يتحدث عن “استحواذ”، يتجاهل الواقع: هل سمعتم بحملة ترشيح لقيادي من الحركة لرئاسة الدولة ؟!! و هل سمعتم مجموعة ضغط من الحركة لرئاسة الوزراء؟ هل وجدتم ضغوطًا لاختيار وزير عدل أو حاكم دارفور من صفوفها؟ الحقيقة أن الحركة الشعبية لم تدخل في أي لوبيات ضغط لنيل هذه المناصب السيادية، لا لرئاسة الحكومة، ولا لوزارة العدل، رغم أنها من أهم الوزارات في أي مشروع لبناء العدالة.
أين هي “الوزارات الرفيعة” التي يُشاع أن الحركة تستحوذ عليها، بينما الترشيحات تجري في العلن لغيرها؟ الاتهام ليس بريئًا، بل جزء من حملة ممنهجة تقودها أبواق نظام بورتسودان لتشويه تحالف “تأسيس”، عبر ترويج مزاعم الإقصاء، في حين أن الإقصاء الحقيقي تمارسه السلطة المركزية التي ما زالت تُعيد إنتاج ذاتها بذهنية استعمار داخلي.

تأسيس يمثّل أول تحالف متجاوز للثنائية الكاذبة بين “المعارضة التقليدية”..

* هل رؤى الدعم السريع لبناء الدولة متوافقة مع الجيش الشعبي؟ أم هي تكتيك لحظي؟
التكتيك لا يُعارض الاستراتيجية إذا انطلق من تحليل بنيوي. الدعم السريع بعد 15 أبريل مرّ بعملية تحول ذهني وسياسي، وأصبح يرى الدولة المركزية كما نراها نحن في الحركة: أداة استعمار داخلي. توافقنا ليس لحظيًا، بل تحوّل في الرؤية بفعل الصدمة الكبرى. نحن لا نراهن على حسن النوايا، بل على وقائع تشكّل القوة وموازينها، ونبني عليها التحالفات.
* هل توافقون على بناء جيش مهني جديد كما يطرحه الدعم السريع وبعض القوى السياسية الأخرى؟
بل نذهب أبعد من ذلك. نحن نطرح إعادة تعريف العقيدة العسكرية، لا فقط مهنية الجيش. نريد جيشًا يَصدُر عن عقد اجتماعي جديد، لا يخدم “وحدة التراب” كشعار مزيف، بل يحمي التعدد والعدالة والتنوع. الدعم السريع اقترب من هذا الطرح، وتحالف تأسيس يعمل على صياغة عقيدة عسكرية جديدة تكون جزءًا من هوية الدولة، لا خادمًا لعرق أو نخبة.
* لماذا تأخر ميلاد حكومة تأسيس؟ وماهي استراتيجيتها للسلام؟
لأننا لا نُنجِب حكوماتٍ مشوهة كما يفعل المركز. نحن نُعيد تعريف معنى الدولة ذاتها. التأخير كان ثمنًا لبناء مشروع شرعي، متوافق عليه، متجاوز للمحاصصة ومفهوم “القسمة”. أما السلام، فلن يأتي من موائد الدوحة أو فنادق كمبالا، بل من هندسة جديدة لعلاقة المركز بالأطراف، تضع المهمشين في مركز القرار لأول مرة منذ 1956.

نريد جيشًا يَصدُر عن عقد اجتماعي جديد، لا يخدم “وحدة التراب” كشعار مزيف، بل يحمي التعدد والعدالة والتنوع..

* هل تتوقعون اعترافًا دوليًا؟ ومن أين تأتون بالموارد؟
الاعتراف الدولي ليس شهادة أخلاقية بل محصلة لقوة الفعل السياسي والعسكري والاجتماعي. إذا بنينا مشروعًا قابلاً للحياة، يحمي الأمن الإقليمي، ويحقق العدالة، سيأتي الاعتراف. أما الموارد، فهي تبدأ من الداخل (الأرض، الذهب، الإنسان) وتُدار بشفافية، لا كغنائم حرب، بل كمقدّرات لبناء دولة جديدة.
* كيف تتعاطى الحركة الشعبية وتأسيس مع الرؤية الأمريكية الجديدة؟
براغماتية نقدية. لا نخدع أنفسنا: أمريكا قوة مهيمنة، تحكمها المصالح لا المبادئ. لكننا نتقن مخاطبة هذه المصالح بلغة جديدة: نحن لا نهدد الاستقرار بل نصنعه. مشروع تأسيس ليس ضد أمريكا، بل ضد الخراب البنيوي الذي رعته النخب المرتبطة بها. نعيد تعريف المصالح المشتركة: لا قواعد عسكرية، لا وكلاء محليين، بل شراكة مشروطة بمصلحة الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!