
نجم الدين دريسة
بإعلان حكومة (تأسيس)، التي تُعبّر عن أهل المصلحة الحقيقيين، يكون التحالف قد أحدث اختراقًا عظيمًا في جدار تاريخ السودان الحديث. فلأوّل مرة، يتم تشكيل حكومة تعكس التنوّع والتعدّد والاختلاف، وتلبّي تطلعات وأشواق طيفٍ عريض من الشعوب السودانية التي ظلّت، طوال سبعة عقود من الزمان، تعاني من بطش الأنظمة المركزية القابضة والباطشة.
حكومة تأسيس ليست مجرّد خطوة فارقة في تاريخ السودان، بل هي ميلاد عهدٍ جديد يتكئ على رصيد جماهيري وشعبي غير مسبوق. لاسيّما أن السودان الذي نشأ قبل سبعة عقود، وقع تحت قبضة نُخبٍ غارقة في الفشل، أدخلت البلاد في حجر ضبٍّ خرب؛ همّشت المجتمعات، وأهدرت الموارد، وخلقت الصراعات والحروب، فأهلكت الإنسان ودمّرت الأوطان.
إن إعلان الحكومة في أمسية السادس والعشرين من يوليو 2026، يمثّل وضع اللبنة الأولى لبناء دولة الشعب السوداني. حيث تمّ التوافق على مجلس رئاسي بمهام سيادية، يتكوّن من خمسة عشر عضوًا يمثّلون التنوّع الثقافي والجغرافي، وقد اختير مفجّر ثورة المهمّشين، وقائد التغيير والتحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، السيّد محمد حمدان دقلو، رئيسًا للمجلس الرئاسي، ينوب عنه القائد عبد العزيز آدم الحلو، المناضل الذي سلخ أربعة عقود من عمره مناضلًا لأجل ميلاد دولة السودان الجديد، القائمة على المواطنة. كما تمّ ترشيح المناضل الجسور، صاحب الجاذبية الخطابية، والحضور اللافت، الأستاذ محمد حسن التعايشي، رئيسًا لوزراء حكومة “تأسيس”.
ما يميّز تحالف السودان التأسيسي، أنه تبنّى مشروعًا جديدًا يدعو إلى إعادة بناء السودان على أسسٍ عادلة ومستدامة. علاوة على رفعه لشعاراتٍ جاذبة، إصلاحية، وحدوية، تستهدف بنية الدولة المركزية، وتتصدّى لجذور الأزمة في السودان. وهذا تطوّرٌ نوعيّ مقارنةً بكل التحالفات والتكتلات التاريخية التي لم تستطع الخروج من فلك الدولة المركزية، رغم ما تحمله من اختلالات بنيوية.
يمكن القول إن تحالف “تأسيس” — بالميزات التي ذُكرت — هو كيان سياسي مركّب، متعدّد، متنوّع، ومتباين، حمل في طيّاته كل تناقضات الواقع السوداني وتعقيداته. وهذا ما سيفضي في نهاية المطاف إلى تحوّلات كبيرة في المشهد السياسي، وخلق وطنٍ جامع، قادر على إدارة التنوّع والاختلاف، من خلال نظامٍ فدراليّ علماني، كما ورد في مواثيق تحالف “تأسيس”.
يقود هذا التحالف شخصية استثنائية، التفّ حولها إجماعٌ مدهش، إذ يمتلك كاريزما قيادية نادرة، جمعت بين البساطة والعمق، إلى جانب قدراته القيادية والعسكرية، وخطابه الذي يمزج بين صدق الطرح وجاذبية الحضور الشعبي اللافت. إنه مهاتما غاندي السودان العظيم، الذي مضى على خُطى روّاد التغيير: غاندي، مانديلا، لوثر كينغ، بول كاغامي… إنّه جذوةٌ من كل هؤلاء العظماء الذين أسّسوا لشعوبهم أوطانًا خالية من الظلم، وصنعوا من ركام الحروب سلامًا، ومن ركام القهر عدلًا وحرية.
إنه يوم الانتصار العظيم… يحقّ لشعوب الهامش العريض أن تحتفي بميلاد السودان الجديد؛ سودان السلام، والعدالة، والتعايش. سودانٌ يضع حدًا للمظالم التاريخية، ولجرائم الحروب، وللتطهير العرقي، والإبادة، والقتل المنهجي. سودانٌ يُنهي عصور حكم الأوليغارشية، التي أذاقت شعوبنا كل صنوف الويل والظلم والقهر والعذاب.




