
عبدالله محمد ادم – كمبالا
“فشل في الخيال” (Failure of Imagination)، بهذه الجملة القاسية، لخصت لجنة التحقيق الأمريكية أحد أسباب كارثة الحادي عشر من سبتمبر، اذ لم يكن الفشل في معرفة المعلومات، بل في تصور الاحتمالات الكارثية، و في تخيل سيناريوهات لم تكن ضمن الحسابات المألوفة،و اليوم، وأنا أتأمل واقع السودان المتعثر، يعود صدى هذه العبارة ليقرع أجراس الإنذار بقوة أكثر إيلامًا
لقد شهد السودان، شعبًا وقيادات متناحرة، فشلًا جماعيًا مركبًا في الخيال السياسي والوطني، فشلًا تكاد تكون نتائجه أكثر تدميرًا من أي مؤامرة خارجي ،فشل في تخيل الوطن فوق الجماعة حين استسلمت نخب سياسية وعسكرية وقبلية لخيال ضيق، لا يتعدى مصالح فئتها أو حزبها أو عرقها أو منطقة جغرافيتها فتخيلوا السلطة غنيمة، والثروة حقًا حصريًا، والهوية سجنًا ضيقًا ،ففشلوا تمامًا في تخيل سودان جامع يتسع للجميع، قائم على المواطنة المتساوية والعدالة.
فشل في تخيل السلام كخيار استراتيجي فتحولت الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها من مأساة إنسانية إلى أداة تفاوض و ورقة ضغط في حسابات قصيرة النظر، ففشلت القيادات في تخيل أن استمرار الحرب هو انتحار بطيء للوطن بأكمله، وأن السلام الحقيقي ليس هدنة مؤقتة بل بناء مؤسسات تحقق العدل وتوزع الثروة.
و كان الفشل في تخيل الحل الداخلي و هنا يكمن جوهر الكارثة،عندما تعلق الجميع – حكامًا ومعارضين، مدنيين وعسكريين – بخيال وهمي هو أن المنقذ سيأتي من الخارج و أن واشنطن والرباعية (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، السعودية، الإمارات) أو غيرهم، هم من سيوقفون الحرب، ويحلون المشاكل، ويلملمون الجراح، نسوا، أو تناسوا، حقيقة مروعة بان الجراح الأعمق نزفتها أيادٍ سودانية، و السيوف التي قطعت أوصال الوطن كانت سودانية الصنع والضربة
كان الفشل ايضا في تخيل المسؤولية، فتحول البحث عن حلول إلى انتظار مبادرات خارجية وورش فندقية فارهة و تحول النقاش الداخلي إلى اتهامات متبادلة وانتظار لـضغط دولي سحري. و فشل الجميع في تخيل أن المسؤولية الأولى والأخيرة عن مصير السودان تقع على عاتق السودانيين أنفسهم، وأن الحلول المستدامة لا تُستورد، بل تُخترع وتُبنى من الداخل بإرادة وطنية صادقة و بذلك استمرت المعاناة، وتعمق الشرخ، واستنزفت موارد البلاد وطاقات شعبها في صراعات لا طائل منها، بينما تتحرك القوى الخارجية وفقًا لمصالحها هي أولًا وأخيرًا ،فالرباعية وغيرها قد تقدم مساعدات إنسانية (غالبًا غير كافية) أو تحاول وساطات (غالبًا جزئية أو غير متوازنة)، لكنها لن توقف الحرب التي يغذيها السودانيون بأنفسهم، ولن تحل المشاكل الجذرية التي يتوجب على السودانيين حلها، ولن تضمد الجراح طالما هناك من يستمر في فتحها.
فشل الخيال الذي وصف بهزة أمريكا، هو نفسه الذي يعصف بالسودان، لكن بآلاف المرات أقسى وأكثر استدامة،إنه فشل في تخيل الذات كفاعل رئيسي في التاريخ، فشل في تصور مستقبل مشترك، فشل في الإيمان بأن خلاص السودان لن يأتي على جناح طائرة خارجية، بل سيولد من رحم إرادة سودانية تجد في داخلها الخيال والشجاعة لمواجهة الحقائق المريرة وبناء السلام الحقيقي من الداخل
و حتى يستعيد السودانيون خيالهم الوطني، ويستبدلوا انتظار المنقذ الخارجي بفعل المنقذ الداخلي، ستظل الجراح تنزف، والحروب تستعر، وستظل عبارة فشل في الخيال هي النقش الأقسى على شاهد قبر آمال متعاقبة، فالسودان بحاجة، قبل أي شيء، إلى ثورة في الخيال السياسي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتؤمن بأن الحل – رغم صعوبته – يبدأ وينتهي بأبناء وبنات السودان أنفسهم.
والله المستعان




