بين تجاهل المجتمع الدولي وصحوة الإرادة الشعبية: آن للسودانيين أن ينهوا حربهم بأنفسهم
صالح السليمي

صالح السليمي
خيبة أمل عميقة خيمت على المزاج السوداني العام، بعد الإعلان المفاجئ عن تأجيل الاجتماع الرباعي حول السودان، والذي كان مزمعاً عقده في واشنطن في التاسع والعشرين من يوليو الجاري، بمشاركة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. الاجتماع الذي روّجت له بعض الأوساط كمنصة لحشد الدعم السياسي الإقليمي والدولي لوقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، تلاشى في اللحظة الأخيرة، مخلفاً وراءه موجة من الاستياء والتساؤل في الشارع السوداني، الذي أنهكته الحرب المستعرة منذ أكثر من عامين.
مصادر دبلوماسية متطابقة كشفت أن التأجيل جاء بسبب عدم اتضاح الرؤية حول تمثيل الأطراف السودانية، مع ضغوط من بعض العواصم العربية ضد إشراك الدعم السريع أو قوى مدنية قريبة منه في أي ترتيبات مستقبلية. وهو ما يعكس استمرار تعقيد المشهد السوداني على طاولة الفاعلين الدوليين، رغم الإدراك العميق لدى الجميع أن لا حل ممكناً دون إشراك الأطراف كافة، بما فيها أولئك الذين يملكون القوة العسكرية أو النفوذ الميداني.
السودانيون، الذين يعانون من أزمات مركّبة في الغذاء والدواء والأمن، لم يعودوا يعولون كثيراً على اللقاءات البروتوكولية، ولا على المؤتمرات المؤجلة أو المخرجات الفارغة. لقد بات الشعور بالإهمال الدولي، وربما التواطؤ الإقليمي، يتعاظم مع كل يوم تُزهق فيه الأرواح بلا ثمن، وتُدمر فيه المدن بلا شفقة. والمفارقة أن المجتمع الدولي الذي ملأ الدنيا صخباً حين اندلعت الحرب في الخرطوم، هو ذاته الذي يبدو اليوم عاجزاً عن جمع الفاعلين في غرفة واحدة.
لكن وسط هذا الإحباط، تتعالى أصوات داخل السودان تدعو إلى مسار مغاير، قوامه استعادة زمام المبادرة وطنياً، دون انتظار الخارج. إذ لا يعقل أن يستمر السودانيون أسرى لاجتماعات خارجية قد تنعقد وقد تُلغى في آخر لحظة. فما يحدث الآن ليس مجرد أزمة دبلوماسية، بل هو تكريس لفكرة أن السودان بات ورقة ثانوية على طاولة الصراعات الدولية والإقليمية.
إن اللحظة التاريخية التي يعيشها السودان تقتضي أن ينهض الشعب بنفسه، وأن تُفتح الطريق أمام قواه المدنية، من أحزاب ونقابات وجماعات مهنية، لتقود حواراً داخلياً حقيقياً، يضع حداً لهذه الحرب المجنونة. وليس من المستحيل أن يفاجئ السودانيون العالم مرة أخرى، كما فعلوا في ثورة ديسمبر المجيدة، ويبرهنوا أنهم قادرون على تسوية خلافاتهم بعيداً عن التدخلات الأجنبية، وبعيداً عن وصاية العواصم.
لقد آن الأوان لأن تتشكل إرادة سياسية سودانية جديدة، تتجاوز مرارات الحرب وخنادقها، وتنحاز للسلام والاستقرار، وتعيد تعريف الوطنية على أساس المشاركة لا الإقصاء، وعلى أساس العدالة لا الانتقام. والرهان الحقيقي لم يعد على من سيشارك في مؤتمر واشنطن، بل على من سيشعل شمعة في الداخل بدل أن يلعن الظلام في الخارج.
السودانيون يستحقون أفضل من هذا العبث. يستحقون وقفاً فورياً لإطلاق النار، ومساعدات إنسانية عاجلة، وإرادة دولية حقيقية لا تبحث عن مصالحها فحسب، بل تنظر إلى وجع هذا الشعب الصابر. لكن قبل ذلك كله، فإن السودان لا يحتاج إلا إلى أبنائه.




