رأي

أم صميمة… الدواس بلا كسكاس؛ شيكان القرن الواحد والعشرين

عباس احمد السخي 

عباس احمد السخي 

في الثلاثين من يوليو 2025، شهدت مدينة أم صميمة الواقعة في شمال كردفان معركة فاصلة ستكون بلا شك محطة بارزة في سجل البطولة السودانية الحديث. فقد دارت هناك واحدة من أشرس المعارك بين قوات الدعم السريع وكتائب الجيش المدعومة بعناصر تنظيم الإخوان المسلمين، ومجموعات مسلحة عرقية، ومرتزقة تم جلبهم من أطراف الجزيرة. تلك المعركة التي دارت رحاها على تخوم مدينة الأبيض المحاصرة، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معركة بقاء وكرامة وخطوة ضرورية لاختراق خط الدفاع الأول عن مدينة قلب كردفان النابض.

ووسط تصاعد النيران وتقدم فيالق المعتدين، وقف أشاوس الدعم السريع ـ برجولة وإقدام ـ يدافعون عن أرضهم، عن شعبهم، وعن أحلامهم في وطن يسع الجميع. فقد كبّد هؤلاء المغاوير المعتدين خسائر فادحة في العتاد والأنفس، تجاوزت كل ما تكبده جيش الفلول وحلفاؤه، في اي معركة، منذ اندلاع هذه الحرب العبثية في أبريل 2023. لقد كانت معركة أم صميمة بمثابة “شيكان القرن الواحد والعشرين”، وبيانًا جديدًا لقيمة التضحية في سبيل الكرامة الوطنية.

منذ اليوم الأول للحرب، لم يكف قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو، عن الدعوة إلى تسوية سياسية متفاوض عليها تنهي هذه الحرب الكارثية التي أطلقها الضباط الإخوانيون في الجيش، بهدف استعادة سلطتهم المنهارة بعد سقوط نظام البشير. غير أن الطرف المعتدي قابل هذه الدعوات بصدٍّ وعناد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بإفشال كل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في جدة والمنامة ومسقط، وأصرّ على المضي في الحرب مهما كان الثمن، متكئًا على خطاب متغطرس وشعار أجوف: “بل بس… نعم لاستمرار الحرب!”

لقد ظنّ هؤلاء أن دعوة الدعم السريع إلى وقف القتال تعبّر عن ضعف، ولم يدركوا أنها نابعة من إحساس عميق بالمسؤولية الوطنية، ووعي حقيقي بحجم الكارثة التي لحقت بالشعب السوداني. فالحرب لم تعد مجرد صراع بين قوتين، بل تحولت إلى مذبحة مفتوحة يدفع ثمنها الأبرياء في المدن والقرى، في معسكرات النزوح ومراكز الإيواء، بين أطلال المدارس والأسواق المدمّرة.

اللافت أن قادة هذا المعسكر الحربي ـ من الإسلاميين والعسكريين المتحالفين معهم ـ يدفعون أبناء المهمشين إلى جبهات الموت، بينما تعيش أسرهم في رغد من العيش في ماليزيا وتركيا والإمارات ودول الغرب، حيث يتلقى أبناؤهم تعليمًا راقيًا في مدارس خاصة، ويقيمون في منازل مرفهة لا تصلها أصداء القصف، ولا تحاصرها المجاعة. إن هذه المفارقة الأخلاقية الكارثية تكشف عن طبيعة العقلية التي تقود الحرب في السودان اليوم؛ عقلية لا ترى في أبناء الهامش سوى وقودًا لمعاركها السلطوية، عقلية لا تتردد في تمزيق البلاد وتشريد الملايين حفاظًا على مصالحها ونفوذها. وهي عقلية متجذرة في الفكر الإسلامي السياسي الذي لا يعترف بفكرة الوطن المتعدد، ولا يرى في الدولة سوى أداة للتمكين والتسلّط والهيمنة الطبقية والعرقية.

لقد أثبتت معركة أم صميمة، كما معارك كثيرة قبلها، أن الروح القتالية لقوات الدعم السريع لا تزال متقدة، وأن إرادة التغيير أقوى من طائرات “السوخوي” ومدافع “الهاون”، وأن الجندي الذي يدافع عن أهله وأرضه بإيمان لا يُقارن بالجندي الذي يقاتل في سبيل استعادة حكم الإخوان. إن أبناء أم صميمة، وأبناء كردفان الكبرى، ظلوا دومًا في قلب الصراع الوطني، وفي طليعة المطالبين بالعدالة والحرية. واليوم، يتجدد هذا الدور البطولي في وجه حملة عسكرية تريد إخماد أنفاس الثورة الشعبية، واستعادة دولة الظلم المركزي.

هذه ليست معركة سلاح فقط، بل معركة وعي وكرامة ومسؤولية تاريخية، يجب أن تُنقل بأمانة للأجيال القادمة، لأنها ستشكل جزءًا من الحكاية الكبرى لسودان ما بعد الحرب. سودان يتوق للحرية، ويتطلع إلى مستقبل بلا استعلاء ولا قمع ولا تمييز. إن معركة أم صميمة لا ينبغي أن تُقرأ فقط في سياقها العسكري، بل يجب أن تُفهم بوصفها لحظة مفصلية في مسار الصراع من أجل تحرير السودان من قبضة الدولة النخبوية الإقصائية. ولئن بدا أن الحرب طويلة ومؤلمة، فإن الصبر والصمود قادران على صنع السلام العادل والمستدام. فأم صميمة ليست فقط عنوانًا لمعركة، بل رمزٌ لكرامة المهمشين، وراية تُرفع باسم الوطن الحر، الكبير، المتنوع، الذي لا مكان فيه بعد اليوم للطغيان ولا للاستعباد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!