
نجم الدين دريسه
كلما قرأت تصريحًا أو شاهدت لقاءً لأحد سدنة الدولة المركزية الغنائمية المتكلسة، تلك الدولة التي ورثت من الاستعمار نزوعه للتفريق والتسلط والتفوق العرقي، أصاب بذهول أمام هشاشة التفكير وضحالة المنطق واضطراب الجهاز المفاهيمي الذي يحكم هذه النخب. كيف لعقولٍ تنضح بالاستعلاء الزائف والعنصرية المبطنة، وتتوسل أحكامًا جاهزة متعالية، أن تزعم قدرتها على بناء دولة المواطنة المتساوية؟ هذه الذهنية الصدئة ذاتها هي التي قادت البلاد، وعلى مدى عقود، إلى كل أشكال التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وما تزال مصرة على إعادة إنتاج ذات الخراب، بكل ما فيه من موروث قمعي واستبدادي.
المفارقة أن هذه النخب الفاشلة، والتي لم تتزحزح عن عرش السلطة منذ ما قبل ميلاد الدولة الوطنية، ما زالت تتعامل مع الجيش الذي أنشأه الاستعمار كأنه مؤسسة قومية، متجاهلة سياقات نشأته وتكوينه ودوره التاريخي في ترسيخ الامتيازات للنخبة، وصناعة الحروب، وتأجيج الصراعات، وتفريخ المليشيات من أجل البقاء في السلطة لا غير. الجيش السوداني، منذ أغسطس 1955، كان أداة لقمع الشعوب، لا حاميها، ودرعًا لحماية المركز، لا درعًا للسيادة الوطنية. والآن، وبعد أن انكشفت هشاشته أمام قوات الدعم السريع، التي التقطت شعارات التغيير ووجدت لنفسها حواضن في الهوامش، أصبحت سردية “الجيش القومي” بلا رصيد أخلاقي أو واقعي.
السواد الأعظم من شعوب السودان ظل معزولًا قسرًا عن مائدة القرار الوطني، بلا صوت، بلا نفوذ، بلا حق حتى في مناقشة قضايا التأسيس. احتُكرت الدولة بكل مفاصلها، من الجيش إلى الأحزاب إلى الخدمة التي تُسمى زورًا “عامة”، من قبل مجموعات ضيقة مثلت المركز وامتيازاته، بينما كانت الشعوب الأخرى تُساق إلى الحروب والفقر والتهميش بلا رحمة. الحرب الحالية، رغم مآسيها، أسقطت ورقة التوت عن هذه المؤسسات الزائفة، وفتحت الباب واسعًا أمام إعادة تعريف العقد الاجتماعي، ليس كحبر على ورق، بل كممارسة سياسية حقيقية تنبع من فكرة المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.
محاولات تشتيت الوعي، وتصوير مطالب الشعوب بالتأسيس العادل كأنها مؤامرة، لم تعد تجدي في زمن أصبحت فيه المجتمعات السودانية أكثر وعيًا وصلابة. لم تعد تنطلي على الناس سرديات الوطنية المصنوعة في غرف الاستخبارات، ولا خطاب التخوين المعتاد، ولا تسميات مثل “الشرذمة” و”العملاء”، لأن الناس تعرف الآن من سرق الحلم، ومن صادر الوطن، ومن حوّل الدولة إلى مزرعة شخصية.
ما يُدهش حقًا أن حواضن الدولة المركزية، بكل تاريخها الدموي واللاأخلاقي، لا تزال تتعامل مع المشهد بعقلية السبعينات، بلا تحديث، بلا ضمير، بلا حتى موهبة في الخداع. إنهم يمضون بلا رؤية، يواجهون شعبًا متغيرًا بعقل ثابت، ويظنون أن خطبهم القديمة ما زالت قادرة على التنويم. هم كمن يعاني جوعًا مفاهيميًا وروحيًا، في مواجهة جيل يطرح الأسئلة الجذرية ويطالب بإجابات فعلية لا شعارات جوفاء.
لكن ما لا يدركه هؤلاء، أن إصرارهم على المضي في هذا الطريق لا يقود إلا إلى نهايات كارثية لا يملكون أدوات مواجهتها. الشعوب لم تعد تهابهم، ولم تعد تقبل بقسمة التاريخ التي كُتبت على عجلٍ لصالح قلةٍ متغولة. المستقبل لن يُبنى بالرصاص، ولا بالخداع، ولا بمؤتمرات النخب العاجزة. بل بإرادة شعب قرر أخيرًا أن يقول: كفى.
أفيقوا أيها الظلمة، قبل أن تُغرقوا ما تبقى من سفينة الوطن.




