رأي

السودان بين تحالفات الأمس واحتمالات صراع الغد

عماد جدو

 

عماد جدو

في السياسة السودانية لا توجد تحالفات دائمة، بل ضرورات مؤقتة تصنعها الحرب ثم تعيد تفكيكها المصالح والطموحات وتناقضات السلاح. وما يجري اليوم داخل المعسكر المناهض لقوات قوات الدعم السريع يكشف أن السودان قد يكون مقبلاً على طور جديد من الصراع، ليس بين الجيش والدعم السريع فقط، وإنما بين شركاءالأمس أنفسهم.

لقد جمعت الحرب الحالية أطرافاً متباينة فكرياً وقبلياً وعسكرياً تحت عنوان (حرب الكرامة في مواجهة الدعم السريع،) لكن هذا العنوان بدأ يفقد قدرته على ضبط التناقضات الداخلية. فكل قوة دخلت الحرب وهي تحمل مشروعها الخاص، وحساباتها المتعلقة بالنفوذ والثروة والسلطة وشكل الدولة القادمة.

تحالف الضرورة لا يعني وحدة المشروع

القوات المشتركة المرتبطة بحركات الكفاح المسلح، ومعها بعض القوى المتحالفة في شرق السودان بقيادة محمد الأمين ترك، تبدو اليوم أقرب إلى رؤية تعتبر أن الوصول الي اتفاق وقف إطلاق النار سوف يكون خصما علي اهدافهاالحالية حيث ان استمرار الحرب يتيح لها التمتع بالسلطة والنفوز وان وقف إطلاق النار سوف يفضي الي صناعة عملية سياسية جديدة تقوم بإعادة توزيع السلطة وتبعد دور المؤسسة العسكرية في الحكم والسياسية، لا بعودة المركز القديم بصورته التقليدية.

في المقابل، هناك تيار داخل المؤسسة العسكرية السودانية وحلفائها الاجتماعيين والقبليين يرى أن أي تمدد للقوات المشتركة أو القوى المسلحة القادمة من الهامش يمثل تهديداً لبنية الدولة المركزية التقليدية ولمعادلات النفوذ القديمة داخل الخرطوم.

ومن هنا تبدأ ملامح الاستقطاب الجديد.

هل اقتربت معركة حرب الحلفاء؟

الحديث المتزايد عن احتمالات مواجهة مستقبلية بين:

القوات المشتركة وبعض حلفائها،

وبين تيارات داخل الجيش السوداني مدعومة بقوى قبلية وعسكرية مختلفة،

لم يعد مجرد تسريبات سياسية، بل أصبح يُقرأ من خلال.التصريحات

المتبادلة،

وحالة التنافس داخل العاصمة،

ومحاولات السيطرة على المواقع الاستراتيجية،

والخلافات حول من يملك “حق القرار والتمركز للقوات ” بعد الحرب.

فالذين قاتلوا معاً ضد الدعم السريع لم يكونوا متفقين على شكل السودان بعد الحرب. هذه هي العقدة الأساسية.

القوات المرتبطة بـ جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي تنظر لنفسها باعتبارها شريكاً عسكرياً حقيقياً دفع ثمناً بشرياً وسياسياً، وبالتالي لن تقبل العودة إلى الهامش بعد انتهاء المعركة.بل تراء نفسها صاحبت قرار ونفوذ

بينما توجد داخل المؤسسة العسكرية وقوى الإسلاميين الموافقين مع بعض القيادة العسكرية. وبعض التشكيلات القبلية نظرة أكثر تحفظاً تجاه تمدد الحركات المسلحة داخل الخرطوم ومفاصل الدولة.وازدياد النفوذ

البراؤون والدراعة. صراع النفوذ داخل معسكر واحد

المفارقة أن كثيراً من التكوينات المسلحة التي تتحرك اليوم تحت راية واحدة تحمل في داخلها حساسيات قديمة ومخاوف متبادلة.

فالتيارات المرتبطة بما يُعرف شعبياً بـ”البراؤون” تنظر للحرب باعتبارها معركة وجودية لإعادة تشكيل الدولة وفق مشروع أيديولوجي وأمني محدد، بينما توجد قوى أخرى داخل المعسكر نفسه ترى أن هذا الاتجاه قد يعيد إنتاج الأزمة السودانية بصورة أكثر عنفاً.

وفي الجهة المقابلة، فإن القوى القبلية والمناطقية المسلحة التي دخلت الحرب لحماية نفوذها أو مصالحها لن تقبل بسهولة بالخضوع الكامل لقيادة مركزية او عقديه

وهنا يكمن خطر “الانتحار السياسي والعسكري” الذي يهدد الجميع.

هل قيادة الجيش على قلب رجل واحد؟الإجابة الأقرب للواقع(لا)

الجيش السوداني مؤسسة كبيرة ومعقدة، وداخله مدارس ورؤى مختلفة بشأن.ادارة الحرب

والعلاقة مع الإسلاميين،

ومستقبل الحركات المسلحة،

وشكل التسوية السياسية القادمة.

ورغم أن القيادة العسكرية تحافظ ظاهرياً على خطاب موحد، إلا أن التباينات تظهر أحياناً في التصريحات والمواقف والتحالفات الميدانية.

ويبرز اسم ياسر العطا باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل داخل المشهد الحالي، بسبب خطاباته الحادة وعلاقاته المعقدة مع القوى المسلحة والسياسية المختلفة.

البعض يرى أن رؤيته تتقاطع مع التيار المتشدد الرافض لأي تسوية مع الدعم السريع، والمتخوف من تمدد الحركات المسلحة داخل مركز القرار. بينما يرى آخرون أنه يتحرك ضمن تكتيكات فرضتها طبيعة الحرب وتشابك التحالفات.

لكن المؤكد أن تطابق الرؤى بين جميع أطراف المعسكر المناهض للدعم السريع غير موجود بصورة كاملة، وأن التحالف الحالي تحكمه الضرورة العسكرية أكثر مما تحكمه القناعة السياسية.

الخرطوم… المدينة التي قد تبتلع الجميع

الخطر الأكبر أن تتحول بقايا العاصمة الخرطوم إلى ساحة تصفية حسابات بين حلفاء الأمس.

فالمدينة المنهكة بالحرب، والمليئة بالسلاح والمرارات والانقسامات، قد تصبح مركزاً لصراع جديد إذا انهار العدو المشترك الذي كان يجمع هذه الأطراف.

وحينها سيدخل السودان مرحلة أكثر تعقيداً.تعدد الجيوش.تضارب مشاريع كل طرف .وانهيار ماتبقي

من سلطة الدولة المركزية.

أخطر ما في المشهد السوداني الحالي أن الجميع يعتقد أنه يقترب من لحظة الانتصار، بينما الحقيقة أن البلاد تقترب من لحظة استنزاف شامل.

فالحروب التي تبدأ بتحالفات الضرورة كثيراً ما تنتهي بصراعات الورثة. والسودان اليوم يقف على حافة هذا السيناريو؛ حيث يمكن أن يتحول السلاح الذي وُجه بالأمس نحو الدعم السريع في مايسمي بحرب الكرامة. إلى سلاح يُرفع بين حلفاء الخندق الواحد. (دفاع شعبي وبراؤن .وخليه امنيه .ودرع السودان والمشتركة. وقوات مالك عقار. وجماعة ترك . وبقايا جيش الاسلامين ).وفي بلد تتداخل فيه

القبيلة بالعقيدة، والمصلحة بالسلاح، قد لا يكون السؤال القادم: من انتصر؟ بل: هل بقيت دولة يمكن الانتصار داخلها أصلاً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!