رأي

المال مقابل الدم؛ اقتصاد الحرب في السودان قيادة الجيش السوداني نموذجا

عباس احمد السخي 

عباس احمد السخي 

لم تعد الحرب في السودان، منذ اندلاعها بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، مجرد صراع عسكري حول السلطة أو مشروعية الحكم. لقد تجاوزت طبيعتها الأولية إلى أن أصبحت، بمرور الوقت، مشروعاً اقتصادياً مربحاً لعدد من الفاعلين الذين يرون في استمرارها طريقاً للثراء والنفوذ. في قلب هذا المشروع، تبرز المؤسسة العسكرية، لا بوصفها حارساً للدولة، بل بوصفها لاعباً اقتصادياً مركزياً، ومحتكراً للثروة، وسنداً لمنظومة من المصالح التي تستمد قوتها من استمرار القتال.

لم يكن تورط القوات المسلحة السودانية في الأنشطة التجارية جديداً، فقد بدأت ملامحه تتشكل منذ سنوات الحرب الطويلة في الجنوب، حين أدركت القيادة العسكرية أن الحرب تتيح فرصاً لإعادة توزيع الثروة بعيداً عن آليات الدولة المدنية. وتدريجياً، توسعت هذه الأنشطة لتشمل شركات الصناعات الدفاعية، وشركات الزراعة والنقل والبنية التحتية، مثل “زادنا” و”الاتجاهات”، وهي مؤسسات باتت تشكل عماد اقتصاد خفي موازٍ، لا يخضع للمراجعة ولا للمحاسبة، ويعمل خارج موازنة الدولة.

لكنّ المفارقة الفاضحة ظهرت بعد اندلاع الحرب الأخيرة، حيث تحوّل كبار قادة الجيش إلى “تجار حرب” بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. الجنرالات الأربعة: عبد الفتاح البرهان، شمس الدين كباشي، ياسر العطا، وإبراهيم جابر، قاموا بإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، وأحكموا قبضتهم على الوزارات الاقتصادية الحيوية، والمؤسسات الإيرادية السيادية، من المالية والجمارك والاتصالات وحتى بنك السودان المركزي. ومن خلال هذه السيطرة، شرعوا في توظيف موارد الدولة لصالحهم الشخصي، تحت غطاء “المجهود الحربي”، فيما كانت في الحقيقة عمليات واسعة لنهب المال العام، وتصفية ما تبقى من جهاز الدولة لصالح دائرة ضيقة من المنتفعين.

تشير تقارير موثوقة إلى تورط هؤلاء القادة في صفقات فساد عابرة للحدود، ومن ذلك ما تم تداوله حول دور علاء الدين، من مكتب البرهان، الذي أصبح بحسب تقارير عدة، حلقة الوصل بين رأس الدولة العسكرية وشبكات شراء الشقق والعقارات الفاخرة في القاهرة، كوالالمبور، إسطنبول، وعدد من العواصم الأخرى، وهو ما أشار اليه مالك عقار نفسه في إطار سجاله مع البرهان، وبمرور الشهور والسنوات لم تعد الحرب شأناً سيادياً بقدر ما تحوّلت إلى وسيلة لتراكم الثروة الشخصية، وصيانة الامتيازات، وترسيخ نفوذ عسكري لا يتورع عن تدمير البلاد مقابل الحفاظ على مكاسبه.

ومن المعلوم أن شركة الاتجاهات، التي تمثل إحدى أذرع المخابرات العسكرية في السودان، تقيم شراكات عضوية مع الجيش المصري، وتعمل كبوابة لتمرير أجندات إقليمية تحت غطاء الاستثمار، بينما تدير زادنا ما يشبه دولة داخل الدولة، بميزانيات ضخمة لا تخضع لأي مساءلة وطنية. هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن بناء دولة مدنية أو تحقيق تسوية سياسية بينما تُختطف الموارد وتُدار مؤسسات الدولة بمنطق الكسب العسكري الخاص؟

ما يحدث اليوم هو إعادة إنتاج لنموذج السلطة عبر أدوات الاقتصاد، وتحويل الحرب إلى سياق إنتاجي دائم، لا يقبل بالسلم لأنه ينزع عنه مبررات البقاء. فطالما ظلت الموارد بيد القادة العسكريين، والموازنات العامة تساق نحو “دكاكين المجهود الحربي” التي لا تفرّق بين خزينة الدولة وجيب الجنرال، فإن الحرب ستظل خياراً مفضلاً، حتى وإن دُمّرت المدن، وهُجّر الملايين، وانهارت الدولة.

إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في مشروعية من يحكم، بل في طبيعة السلطة نفسها، التي باتت في السودان تستند إلى الاقتصاد الحربي، لا إلى العقد الاجتماعي. لذلك، فإن أي حل سياسي لا يتضمن تفكيك هذه البنية الاقتصادية، وفتح ملفات شركات الجيش، وفرض رقابة صارمة على الموارد العامة، سيكون مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، لا سلاماً دائماً. ان الحرب لن تتوقف لأن القادة العسكريين يريدون ذلك، بل فقط حين يُصبح استمرارها مكلفاً، والسلم مجدياً.

لقد تحولت الحرب إلى سوق، وللأسف، صار الجنرالات أصحاب الأسهم الكبرى فيه. وبينما يصرخ الشعب من الجوع والنزوح والقصف، يجني أمراء الحرب الأربعة أرباحهم في صمت، خلف جدران محصّنة بالشعارات الوطنية والحديث عن السيادة. وما لم تُكسر هذه الحلقة الجهنمية، فلن يكون السودان سوى حقل مفتوح لتجارة الدم والنفوذ، تُسفك فيه الأرواح كي يزداد الأثرياء ثراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!