رأي

السلطة لمن ؟؟؟؟ سؤال العدالة الذي يطارد حكومة تأسيس

د.إخلاص قرنق

 

 د. إخلاص قرنق

ليست المشكلة في إعلان حكومة جديدة، فالسودان اعتاد الحكومات كما اعتاد الأزمات، لكن المأساة الحقيقية حين تُولد الحكومة وهي تحمل بذور خيبتها في داخلها، وحين تأتي محمّلة بروائح المحاصصة أكثر من رائحة التغيير، وبأصوات المساومات أكثر من صدى التضحيات.

ما جرى في تشكيل حكومة “تأسيس” لا يبدو تأسيساً بقدر ما يبدو إعادة تدوير للمشهد القديم، مع تغيير بسيط في اللافتات والأسماء. ذات الوجوه التي كانت بعيدة عن ميادين النار، تتقدم اليوم الصفوف، بينما يُدفع الذين قاتلوا وضحوا إلى هامش المشهد، وكأن الحرب كانت مجرد عرض مسرحي يؤديه البسطاء ليحصد ثماره آخرون.

في كل الثورات والحروب، هناك قانون أخلاقي غير مكتوب: من يدفع الثمن الأكبر، يملك الحق الأكبر في صناعة المستقبل. لكن ما يحدث الآن يرسل رسالة قاسية ومحبطة مفادها أن التضحية ليست طريقاً للاستحقاق، وأن من يجيد الانتظار في الظل قد يحصد أكثر ممن واجهوا الرصاص في العراء.

كيف يمكن تفسير هذا المشهد؟ كيف يصبح بعض الذين لم يُعرف لهم موقف واضح أثناء الحرب في قلب السلطة اليوم، بينما يُترك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم خارج الحسابات؟ كيف يستقيم ميزان العدالة حين يُكافأ الصامت، ويُنسى من كان في المتاريس؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي تجربة سياسية ناشئة ليس الهجوم الخارجي، بل فقدان الإحساس الأخلاقي بالإنصاف. فحين يشعر الناس أن السلطة تُوزع بالمجاملات والعلاقات والتوازنات الباردة، لا بالكفاءة والتضحيات، فإن الثقة تبدأ في التآكل منذ اللحظة الأولى.

ثم تأتي المفارقات الأخرى لتزيد المشهد ارتباكاً. هيئة باسم “النزاهة والشفافية” دون وضوح حقيقي حول صلاحياتها واستقلاليتها. وكأننا ما زلنا أسرى ثقافة تجميل العناوين بدلاً من بناء المؤسسات. فالدول لا تُبنى بالشعارات الرنانة، بل بإرادة حقيقية لمكافحة الفساد ومحاسبة النافذين، مهما كانت مواقعهم.

أما المرأة، فقصتها في هذا التشكيل تكشف عمق الأزمة أكثر من أي شيء آخر. أين نسبة الأربعين بالمئة التي جرى الحديث عنها في الوثائق والمواثيق؟ أين النساء اللاتي تحملن ويلات الحرب، وقدن العمل الإنساني، وصمدن في النزوح واللجوء والميدان؟ كيف تُقصى المرأة مرة أخرى من مائدة القرار، رغم أنها كانت حاضرة في كل تفاصيل الألم والصمود؟

إن تغييب النساء ليس مجرد خلل إداري، بل مؤشر خطير على أن العقلية القديمة ما تزال تتحكم في صناعة القرار، مهما تغيرت الشعارات.

المقلق أكثر أن هذا التخبط يحدث في لحظة تاريخية حساسة، حيث ينتظر الناس نموذجاً مختلفاً، لا نسخة جديدة من الفشل القديم. فالجماهير التي تحملت الحرب والجوع والنزوح لا تريد سلطة تُدار بعقلية الغنائم، بل مشروع دولة حقيقي يعيد الاعتبار للعدالة والاستحقاق والكرامة.

الثورات لا تسقط فقط حين تُهزم عسكرياً، بل حين تفقد معناها الأخلاقي. وحين يشعر الناس أن دماءهم تحولت إلى جسر يعبر فوقه الانتهازيون نحو السلطة، فإن الغضب يصبح مشروعاً، وتصبح الأسئلة أكثر قسوة من الرصاص نفسه.

لقد قال تشي جيفارا ذات يوم: “الثورات يصنعها الأبطال ويسرقها الانتهازيون”. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح مؤلم: هل بدأ اللصوص فعلاً في اقتسام الغنيمة بينما لم تجف بعد دماء المقاتلين؟

إن حكومة “تأسيس” أمام اختبار مصيري: إما أن تنحاز بصدق لمعنى العدالة، وتعيد ترتيب أولوياتها على أساس التضحيات والكفاءة والاستحقاق، أو تتحول إلى مجرد محطة جديدة في قطار الخيبات السودانية الطويل.

فالأوطان لا تُبنى بالمجاملات… بل بالإنصاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!