المينو المميت (The deadly Menu): جيلٌ يختار الرحيل عن عالمٍ لم يَعُد يطيقُه
عبد الله محمد ادم - كمبالا

عبد الله محمد ادم – كمبالا
في مدينة Macindi “ماسيندي” اليوغندية، حيث يُفترض أن تلتقط الأنفاس بعد رحلة التشريد والرعب، اختار لاجيء سودانيٌّ أن يطوي صفحة حياته بيده، لم يكن قراراً طارئاً، بل كان الخيار “الأحلى” في قائمةٍ بائسةٍ اختزلت كل آمال إنسانٍ نُزع من وطنه مرتين ،مرةً بفعل حربٍ طاحنة في السودان أحرقت الأخضر واليابس، ومرةً أخرى بفعل عصاباتٍ طاردته في ملاذه المؤقت بمعسكر اللجوء ببوغندا ،فاختار الموت بيده لأنه، في معادلةٍ لا تُحتمل، بدا له أرحم من استمرار الحياة على أنقاض وطنٍ لم يقدم له قياداته إلا مرارة الهلاك وعتمة البؤس.
هذه القصة ليست مجرد حادثة مأساوية منعزلة، لكنها صرخةٌ صامتةٌ تكشف عن الدمار النفسي الهائل الذي تخلفه حرب السودان، دمارٌ لا يقل فتكاً عن القنابل والرصاص، بل قد يكون أعمق جُرحاً وأبعد أثراً، إنها إضاءةٌ مرعبةٌ على الجحيم الذي يعيشه النازحون من تشريدٌ داخل تشريد، خوفٌ فوق خوف، ويأسٌ يتسرب إلى النفوس حتى يغدو فكرة الانتحار حلّاً مُريحاً، هروباً أخيراً من سيل الأخبار الكارثية ومن صورة وطنٍ تحول إلى جُرحٍ نازفٍ في الذاكرة.
بالله عليكم تخيلوا معي نفسية إنسان شهد الديار تنهار و رأى بيته، شارعه، مدينته، تتحول إلى ركام تحت وطأة العنف الأعمى ففرّ ماشياً على الأقدام ، حاملاً جراحه وأطفاله الجوعى، تاركاً كل ذكرياته خلفه، طلباً للأمان ،فوصل إلى ملاذ متعباً، مرهقاً، لكنه يحمل شرارة أملٍ صغيرة بأن تلتئم جراحه ليُفاجأ بالرعب يلاحقه و عصاباتٌ تعيد إحياء كوابيسه، تطارده في أرض كان يأمل أن تكون ملجأه. أين يذهب بعدها؟ ماذا بقي له من إرادةٍ لمواصلة الصراع فينظر إلى قائمة الخيارات العودة ( the Menu) مستحيل هنا البقاء رعبٌ مستمر، الصبر نفذ ، الموت؟… يبدو أحلى.
هذا هو الدمار النفسي الذي نتحدث عنه ،هذا هو الثمن الذي تدفعه الأجيال ، جيلٌ يفقد الأمل في الحياة نفسها و عندما يصبح الموت خياراً مُغرياً، فهذا يعني أن الإيمان بالمستقبل قد انقطع، وأن قيمة الحياة قد سُحقت تماماً تحت أقدام الحرب.
صدماتٌ مركبة لا تُنسى، تشريد متكرر، عنف مستمر، فقدان متواصل للأهل والأصدقاء والأمان. هذه الصدمات تتراكم في النفس كطبقاتٍ من الرصاص، تُشوِّه الإدراك وتقتل الفرح.
غضبٌ وعجزٌ يلتهمان الروح، الغضب على القيادات التي أوصلت الوطن إلى هذا المصير، والعجز المطلق عن تغيير الواقع، هذا المزيج سامٌ وقاتل.
اما الجيل السابق فلم يترك غير تراثٌ من الألم للجيل القادم و الأطفال الذين يشهدون هذا اليأس، هذا العجز، هذا الاختيار المميت من آبائهم، كيف ستنمو نفوسهم؟ أي صورةٍ عن العالم والحياة ستحملها عقولهم؟ إنهم يرثون جروحاً نفسيةً عميقة ستشكل هويتهم ومستقبلهم.
ايها الناس، ان السودان في محنةٍ تتواضع أمامها المحن، محنةٌ لا تقتل الأجساد فقط، بل تقتل الأرواح قبل الأجساد، تقتل الرغبة في الحياة، تقتل الإيمان بالغد. قصة اللاجيء السوداني في مدينة ماسيندي اليوغندية ليست مجرد رقمٍ في إحصاءات الانتحار؛ إنها ناقوس خطرٍ يدق بقوة و تحذيرٌ أن الدمار النفسي هو الوباء الصامت الذي يخلفه الحرب، ويحتاج لاستجابةٍ إنسانيةٍ عاجلة لا تقل عن استجابة الغذاء والمأوى، فكم من النفوس يجب أن تنكسر وتختار الموت قبل أن ندرك فداحة ما يحدث؟ متي تتحرك القلوب والعقول لوقف هذه الحرب المجنونة؟
هذا نداءٌ للتراحم مع الناجين الذين يحملون في دواخلهم أوجاعاً لا تُرى، لكنها أقسى من كل ما يُرى،فهم بحاجة إلى دعمٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ عاجل، إلى إعادة إحياء الأمل في نفوسهم، قبل أن تنطفئ شمعة الحياة في عيون المزيد منهم.
رحل هذا الشاب لانه اختار “الراحة” الأبدية من وطنٍ خان أحلامه لكن سؤالاً مريراً يبقى: كم من الأرواح الجميلة ستتبع نفس الطريق قبل أن تستيقظ الضمائر، وقبل أن يتوقف هذا الطاحون الدموي عن طحن مستقبل شعبٍ وأجيالٍ بريئة؟
ان الدمار النفسي هو إرث الحرب الأكثر قسوة، وعلاجه يبدأ بوقف الحرب، وبوضع يد الرحمة على جراح النفوس التي ما زالت تحاول النبض وسط الركام
اللهم ارحمه و تقبل معذرته




